نهي عمر بن الخطاب عن الحديث
قال قرظة بن كعب لما سيرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر وقال: أتدرون لم شيعتكم؟ قالوا: نعم مكرمة لنا. قال: ومع ذلك إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم. فلما قدم قرظة بن كعب قالوا: حدثنا. فقال: نهانا عمر رضي الله عنه (1). سنن الدارمي 1 ص 85، سنن ابن ماجة 1 ص 16، مستدرك الحاكم 1 ص 102، جامع بيان العلم 2 ص 120، تذكرة الحفاظ 1 ص 3.
وفي لفظ أبي عمر: قال قرظة: فما حدثت بعده حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي لفظ الطبري: كان عمر يقول: جردوا القرآن ولا تفسروه وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم (2). شرح ابن أبي الحديد 3 ص 120. م - ولما بعث أبا موسى إلى العراق قال له: إنك تأتي قوما لهم في مساجدهم دوي بالقرآن كدوي النحل فدعهم على ماهم عليه ولا تشغلهم بالأحاديث وأنا شريكك في ذلك. ذكره ابن كثير في تاريخه 8 ص 107 فقال: هذا معروف عن عمر رضي الله عنه. وأخرج الطبراني عن إبراهيم بن عبد الرحمن إن عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود.
وأبا الدرداء. وأبا مسعود الأنصاري، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبسهم بالمدينة حتى استشهد (3). تذكرة الحفاظ 1 ص 7، مجمع الزوائد 1 ص 149 وصححه محشى الكتاب فقال: هذا صحيح عن عمر من وجوه كثيرة وكان عمر شديدا في الحديث., وفي لفظ الحاكم في المستدرك 1 ص 110:
إن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذر: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب.
وفي لفظ جمال الدين الحنفي: إن عمر حبس أبا مسعود وأبا الدرداء وأبا ذر حتى أصيب. وقال: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم قال: ومما روي عنه أيضا أن عمر قال لابن مسعود وأبي ذر: ما هذا الحديث؟ قال: أحسبه حبسهم حتى أصيب. فقال: وكذلك فعل بأبي موسى الأشعري مع عدله عنده (المعتصر 1 ص 459).
في كنز العمال 5 ص 239، وأخرجه أبو زرعة كما في تاريخ ابن كثير 8 ص 106.
م - وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة.
تاريخ ابن كثير 8 ص 106).
وأخرج الذهبي في التذكرة 1 ص 7 عن أبي سلمة قال: قلت لأبي هريرة:
أكنت تحدث في زمان عمر هكذا؟ فقال: لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته.
وأخرج أبو عمر عن أبي هريرة: لقد حدثتكم بأحاديث لو حدثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة (جامع بيان العلم 2 ص 121).
م - وفي لفظ الزهري: أفكنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي أما والله إذا لأيقنت أن المخفقة ستباشر ظهري. وفي لفظ ابن وهب: إني لأحدث أحاديث لو تكلمت بها في زمان عمر أو عند عمر لشج رأسي. تاريخ ابن كثير 8 ص 107).
فمن جراء هذا الحادث قال الشعبي: قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصفا فما سمعت يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثا (5). سنن الدارمي 1 ص 84، سنن ابن ماجة 1 ص 15.
تاريخ ابن كثير 8 ص 107.
وقال السائب بن يزيد: صحبت سعد بن مالك من المدينة إلى مكة فما سمعته يحدث بحديث واحد (سنن ابن ماجة 1 ص 16).
وقال أبو هريرة: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض عمر.
قال الأميني: هل خفي على الخليفة أن ظاهر الكتاب لا يغني الأمة عن السنة، وهي لا تفارقه حتى يردا على النبي الحوض، وحاجة الأمة إلى السنة لا تقصر عن حاجتها إلى ظاهر الكتاب؟ والكتاب كما قال الأوزاعي ومكحول: أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب (جامع بيان العلم 2 ص 191).
أو رأى هناك أناسا لعبوا بها بوضع أحاديث على النبي الأقدس - وحقا رأى - فهم قطع جراثيم التقول عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وتقصير تلكم الأيدي الأثيمة عن السنة الشريفة؟
فإن كان هذا أو ذاك فما ذنب مثل أبي ذر المنوه بصدقه بقول النبي الأعظم: ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء على رجل أصدق لهجة من أبي ذر (6) مستدرك الحاكم 3 ص 342، 344، أو مثل عبد الله بن مسعود صاحب سر رسول الله، وأفضل من قرء القرآن، وأحل حلاله، وحرم حرامه، الفقيه في الدين، العالم بالسنة (7) مستدرك الحاكم 3 ص 312، 315
أو مثل أبي الدرداء عويمر كبير الصحابة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (8) مستدرك الحاكم 3 ص 337. فلماذا حبسهم حتى أصيب؟ ولماذا هتك أولئك العظماء في الملأ الديني وصغرهم في أعين الناس؟ وهل كان أبو هريرة وأبو موسى الأشعري من أولئك الوضاعين حتى استحقا بذلك التعزير والنهر والحبس والوعيد؟ أنا لا أدري.
نعم: هذه الآراء كلها أحداث السياسية الوقتية سدت على الأمة أبواب العلم، وأوقعتها في هوة الجهل ومعترك الأهواء
تترس بها يوم ذاك، وكافح عن نفسه قحم المعضلات، ونجابها عن عويصات المسائل. م - وبعد نهي الأمة المسلمة عن علم القرآن، وإبعادها عما في كتابها من المعاني الفخمة والدروس العالية من ناحية العلم والأدب والدين والاجتماع والسياسة والأخلاق والتاريخ، وسد باب التعلم والأخذ بالأحكام والطقوس ما لم يتحقق ويقع موضوعها، والتجافي عن التهيؤ للعمل بدين الله قبل وقوع الواقعة، ومنعها عن معالم السنة الشريفة والحجز عن نشرها في الملأ، فبأي علم ناجع، وبأي حكم وحكم تترفع وتتقدم الأمة المسكينة على الأمم؟ وبأي كتاب وبأية سنة نتأتى لها سيادة العالم التي أسسها لها صاحب الرسالة الخاتمة؟ فسيرة الخليفة هذه ضربة قاضية على الاسلام وعلى أمته وتعاليمها.
Comment