السلوك الاجتماعي الإيجابي: لماذا نساعد الآخرين؟



مي السيد شرف الدين


في السابعة صباحًا، دق جرس الساعة معلنًا وقت الاستيقاظ. بعيون مثقلة بالنوم، وجسد أنهكه العمل اليومي، نهض «أسامة» من سريره، تناول الإفطار، ارتدى ملابس العمل وانطلق في رحلته. يقع مستشفى المدينة في طريقه، وبعد انتهاء العمل يوميًا، يدخل أسامة المشفى مصطحبًا معه ما توفر لديه من ألعاب ولوازم خاصة. يدخل إلى قسم الأطفال وكبار السن، ويهديهم ما لديه.

لا يتقاضى أسامة أي أموال مقابل ذلك، لا من المشفى ولا من المرضى أو عائلاتهم، هو يفعل ذلك من تلقاء نفسه و«عن رضا نفس» كما يقولون. أسامة شاب في منتصف العشرينات من عمره، يعيش وحده في شقة صغيرة في المدينة، يعمل في الأرشيف في مكتبة المدينة العامة. هذا يعطيك نبذة عن الراتب الصغير الذي يتقاضاه من عمله، لكنه يصرف جزءًا منه على هؤلاء القاطنين بين أروقة المشفى في غرفهم القاتمة. يعود للمنزل راضيًا عما يفعل. السؤال هنا:

لماذا يفعل أسامة ما يفعل؟ ولماذا كل هذا الرضا؟

ذهابه للمشفى بعد انتهاء العمل يعد قرارًا فرديًا، اجتماعيًا، يعرف بـ «الإيثار – Altruism»، والذي يندرج بدوره تحت ما يعرف بـ «السلوك الاجتماعي الإيجابي – Prosocial behavior» الذي يتمثل في فئة واسعة من الأفعال والسلوكيات التي حددها المجتمع بأنها مفيدة بشكلٍ عام لأشخاص آخرين مثل؛ تقديم المساعدة، المشاركة، الراحة، التبرع، أو التطوع، وأيضًا السلوكيات ذات المنفعة المتبادلة، مثل التعاون بين الأفراد. كيف نفهم هذه الأفعال؟



داخل الدماغ

يدرس علم النفس العصبي العلاقة بين السلوك والعاطفة والإدراك من جهة، ووظائف الدماغ من جهة أخرى. لا يختلف اثنان على أن مساعدة الآخرين نابعة من تعاطفنا معهم، ورد فعل لشعورنا بالألم تجاههم، والشفقة عليهم، لكن هل تعاطفنا مع شخص ما، هو سبب كافٍ لمساعدته؟

يقول البروفيسور «جان كلاود درير – Jean-Claude Dreher» أستاذ علم الأعصاب في جامعة باريس في كتابه «Decision Neuroscience»، إن التعاطف يتيح لنا التواصل مع الآخرين على المستوى العاطفي، لكنه وحده ليس كافيًا لتقديم المساعدة، فالتعاطف مع الآخرين لا يحفزنا بالضرورة لمساعدتهم. على سبيل المثال قد تشاهد مشردًا تشعر حياله بالأسف، لكنك ربما لن تتقدم خطوة لمساعدته! إذن ما المحفزات أو المؤثرات الحقيقية؟

يجيبنا علم النفس بأن التعاطف والشعور بالشفقة يظهران وكأنهما نشاطات عصبية منفصلة، مثل الحالات المختلفة من التحفير والعواطف الأخرى. فالتعاطف يتشارك مع الألم في مناطق الدماغ (المنطقة العلوية الأمامية، والقشرة الأمامية المتوسطة)، أما حالات الشفقة ومشاعر الرحمة فارتبطت بالنشاط في مناطق (القشرة المتوسطة المدارية الوسطى، والنواة المخططية)، والتي تعطي مشاعر الدفء، القلق.

أكثر تحديدًا، في سبتمبر/أيلول عام 2012،نشر فريق بحثي دولي في كلية «ماونت سيناي» للطب في نيويورك بحثًا في مجلة «Brain» يفيد بأن منطقة واحدة من الدماغ تسمى «القشرة الأمامية الجزيرية – the anterior insular cortex» هي المسؤولة عن التعاطف البشري، وهي منطقة مخفية مطوية ومغطاة بعمق داخل الدماغ.

ووفقًا لدراسة نشرت في مايو/آيار 2018 أيضًا، تفيد أن المناطق التي تنشط عندما نشعر نحن بالألم، تنشط عندما نرى شخصًا ما يتألم، أو بحاجة لمساعدة. هذا يعني أن رؤيتك لشخص يتألم، أو بحاجة لمساعدة، فإن تأثيره المؤلم كما لو كنت أنت شخصيًا تتألم، وهذا قد يكون سببًا كافيًا لتقديم المساعدة له.

ليس هذا فحسب، بل كمثل أي قدرة حركية، يمكننا تدريب مشاعر التعاطف والشفقة، والتي بالتأكيد ستعود علينا بالعديد من الفوائد الشخصية، مثل تحسن الصحة النفسية والصحية، التعاون مع الآخر، الثقة والتسامح. إذن، دماغنا يلعب دورًا في هذه العملية الاجتماعية الإيجابية.

ماذا عن المنفعة الذاتية؟
يقترح كثيرون أنه حتى القيام بمساعدة الآخرين بلا مقابل، هي منفعة ذاتية. ففي عام 1975، نشر عالم الأحياء في جامعة هارفارد «ويلسون – E. O. Wilson»وجهة نظره التي تفيد أن أنواعًا معينة من السلوكيات الاجتماعية كالإيثار مثلًا، غالبًا ما تكون مبرمجة وراثيًا لمساعدة الأصناف الحية داخل المجتمعات على البقاء على قيد الحياة. استند في تفسير ذلك على نظرية عرفت باسم «اختيار ذوي القربى – Kin selection» التي تعد واحدة من أسس الدراسة الحديثة للسلوك الاجتماعي.

صاغ النظرية عالم الأحياء التطوري البريطاني «ماينارد سميث – Maynard Smith» عام 1964، وهو نوع من الانتقاء الطبيعي الذي يلعب فيه الأقارب دورًا هامًا عند تقييم اللياقة (المنَاسبة) الجينية لفرد معين، حيث يقوم على مفهوم اللياقة البدنية الشاملة، التي تتكون من البقاء على قيد الحياة والتكاثر، أو أي تأثير إيجابي للفرد يمكن أن يساهم على البقاء والتكاثر من الأقارب.

أما ويلسون، فقرر هو وزملاؤه في هارفارد في العام 2010، وبعد الكثير من البحوث في البيولوجيا التطورية والسلوك الاجتماعي، أن الإيثار هو سلوك تطور من أجل المجتمع، وليس من أجل المجموعات أو الجينات الفردية فحسب. وكما يقول ويلسون، فإن التضحية بالنفس أو الإيثار والمساعدة دون مقابل لحماية الجينات في المجموعة ليس شرطًا للتطور. وإنسانيًا، فلا يشترط أن يكون من تقدم له المساعدة من ذوي قربى أصلًا. فالإيثار يظهر في السلوك البشري لحماية الجماعات داخل المجتمع، سواءً أكانوا ذوي قربى أم لا.

وفي معهد ماكس بلانك لأنثروبولوجيا التطور، وفي نوفمبر/تشرين الثاني عام 2012، قدم «مايكل توماسيلو» وفريق بحثي هناك في قسم علم النفس، بحثًا يقدم تفسيرًا عن لماذا يتعاون البشر مع بعضهم داخل المجتمعات أكثر من ذوي أقربائهم؟

ترتكز الإجابة هنا على فكرة الإيثار، لكن وعلى الرغم من ذلك، فإن النظريات الحديثة للسلوك التعاوني تشير إلى أن «التصرف الأناني» في لحظة المساعدة أو تقديم الخدمات للمجتمع، يوفر ميزة انتقائية لإيثار في شكل مختلف لنوع من المنفعة العائدة. إن لم تكن هذه المنفعة مباشرة، لحظية مثل شعور «أسامة» بالرضا، وبأنه ليس وحيدًا كونه يتحمل مسؤولية ورعاية أشخاص ما؛ فهي ستكون منفعة بشكلٍ ما مستقبلًا داخل المجتمع.

يجادل مؤلفو الدراسة بأن البشر طوروا مهارات تعاونية لأن مصلحتهم المشتركة تتلخص في العمل بشكل جيد وتعاوني مع الآخرين. وتقديم أي مساعدة مهما كان شكلها، هو سلوك اجتماعي إيجابي يجب أن نتعاون جميعًا -نحن البشر- فيه من أجل البقاء، لأننا بشكل أو بآخر نحتاج الآخرين من أجل بقائنا نحن!

أخيرًا، وجهات نظر مختلفة تحاول تفسير الدوافع الحقيقية للإيثار، أو لماذا نقدم مساعدة مجانية للآخرين. قد نشهد دراسات مستقبلية تفنّد كل ذلك أو تثبته، أو تقترح غيره، لكن الشيء المشترك هو أن دماغنا سيد الموقف. فعندما تنشط القشرة الأمامية المعزولة في أعماق أدمغتنا، فإن تصرفًا جيدًا يضاف للمجتمع، ويعود بالنفع على الفرد بصورة ما، حتى لو كان هذا النفع هو لا شيء سوى الرضا.

ومن الضروري جدًا التفريق بين الإيثار الحقيقي، واصطناعه. أوضح مثال على ذلك الأخير، هو تقديم المساعدة للآخرين بعيدًا تمامًا عن مفهوم الإيثار من أجل المصلحة الذاتية البحتة لشخصية عامة، تريد الظفر بمركز رسمي في المدينة، أو البرلمان، أو الوزارات وغيرها من المناصب العالية، أو حتى تقديم المساعدات من قِبل الأغنياء لمجرد التظاهر بأنهم يحسنون صنعًا!