تفسير علي بن إبراهيم: " هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء * فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين " الحصور: الذي لا يأتي النساء " قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر " والعاقر التي قد يئست من المحيض " قال كذلك الله يفعل ما يشاء قال " زكريا: " رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام " (1) وذلك أن زكريا ظن أن الذين بشروه هم الشياطين (2) " قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا " فخرس ثلاثة أيام. (3) بيان: قال الطبرسي رحمه الله: " هنالك " أي عندما رأى عند مريم عليها السلام فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف على خلاف العادة " دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة " أي طمع في رزق الولد من العاقر، وقوله: " طيبة " أي مباركة، وقيل: صالحة تقية نقية العمل " إنك سميع الدعاء " بمعنى قابل الدعاء ومجيب له " فنادته الملائكة " قيل: ناداه جبرئيل أي أتاه النداء من هذا الجنس، وقيل: نادته جماعة من الملائكة " وهو قائم يصلي في المحراب " أي في المسجد، وقيل: في محراب المسجد " أن الله يبشرك بيحيى " سماه الله بهذا الاسم قبل مولده، واختلف فيه لم سمي بيحيى؟

فقيل: لان الله أحيا به عقر أمه، عن ابن عباس، وقيل: لان الله سبحانه أحياه بالايمان عن قتادة، وقيل: لأنه سبحانه أحيا قلبه بالنبوة، ولم يسم قبله أحدا بيحيى " مصدقا بكلمة من الله " أي بعيسى، وعليه جميع المفسرين إلا ما حكي عن أبي عبيدة أنه قال:

بكتاب الله، (4) وكان يحيى أكبر سنا من عيسى عليه السلام بستة أشهر، وكلف التصديق به، وكان أول من صدقه وشهد أنه كلمة الله وروحه، وكان ذلك إحدى معجزات عيسى و أقوى الأسباب لاظهار أمره، فإن الناس كانوا يقبلون قول يحيى لمعرفتهم بصدقه وزهده " وسيدا " في العلم والعبادة، وقيل: في الحلم والتقوى (1) وحسن الخلق، وقيل: كريما على ربه، وقيل: فقيها عالما، وقيل: مطيعا لربه، وقيل: مطاعا، وقيل: سيدا للمؤمنين بالرئاسة عليهم، والجميع يرجع إلى أصل واحد " وحصورا " وهو الذي لا يأتي النساء، عن ابن عباس و ابن مسعود والحسن وقتادة وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، (2) ومعناه أنه يحصر نفسه عن الشهوات أي يمنعها، وقيل: الحصور إنه لا يدخل (3) في اللعب والأباطيل، عن المبرد وقيل: العنين، وهذا لا يجوز على الأنبياء لأنه عيب وذم، ولان الكلام خرج مخرج المدح " ونبيا من الصالحين " أي رسولا شريفا رفيع المنزلة من جملة الأنبياء " قال رب أنى يكون " أي من أين يكون؟ وقيل: كيف يكون " لي غلام (4) وقد بلغني الكبر " أي أصابني الشيب ونالني الهرم، قال ابن عباس: كان يومئذ ابن عشرين ومائة سنة، و كانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة " وامرأتي عاقر " أي عقيم لا تلد، فإن قيل: لم راجع زكريا هذه المراجعة وقد بشره الله بأن يهب له ذرية طيبة؟

قيل: إنما قال ذلك على سبيل التعرف عن كيفية حصول الولد، أيعطيهما وهما على ما كانا عليه من الشيب أم يصرفهما إلى حال الشباب ثم يرزقهما الولد؟ ويحتمل أن يكون اشتبه الامر عليه أن يعطيه الولد من امرأته العجوز أم من امرأة أخرى شابة، فقال تعالى: " كذلك " وتقديره كذلك الامر الذي أنتما عليه وعلى تلك الحال " الله يفعل ما يشاء " معناه: يرزقك الله الولد منها فإنه هين عليه، وقيل فيه وجه آخر وهو أنه إنما قال ذلك على سبيل الاستعظام لمقدور الله تعالى والتعجب الذي يحصل للانسان عند ظهور آية عظيمة، كمن يقول لغيره: كيف سمحت نفسك لاخراج ذلك المال النفيس من يدك؟ تعجبا من جوده، وقيل: إنه قال ذلك على وجه التعجب من أنه كيف أجابه الله إلى مراده فيما دعا وكيف استحق لذلك، (5)
ومن زعم أنه إنما قال ذلك للوسوسة التي خالطت قلبه من الشيطان أو خيلت إليه أن النداء كان من غير الملائكة فقد أخطأ، لان الأنبياء لابد أن يعرفوا الفرق بين كلام الملك ووسوسة الشيطان، (1) ولا يجوز أن يتلاعب الشيطان بهم حتى يختلط عليهم طريق الافهام، ثم سأل الله سبحانه علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا، وقيل ليتعجل السرور " قال رب اجعل لي آية " أي علامة لوقت الحمل والولد، فجعل الله تلك العلامة في إمساك لسانه عن الكلام إلا إيماء من غير آفة حدثت فيه بقوله:
" قال آيتك " أي قال الله، أو جبرئيل، أي علامتك " أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا " أي إيماء، وقيل: الرمز تحريك الشفتين، وقيل: أراد به صومه ثلاثة أيام لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزا " واذكر ربك كثيرا " أي في هذه الأيام الثلاثة، و معناه أنه لما منع عن الكلام عرف أنه لم يمنع عن الذكر لله سبحانه والتسبيح له وذلك أبلغ في الاعجاز " وسبح " أي نزه الله، وقيل: معناه: صل (2) " بالعشي والأبكار " آخر النهار وأوله



http://shiaonlinelibrary.com/%D8%A7%...%D8%A9_170#top


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ١٤ - الصفحة ١٦٨