مقتبس من كتاب عقائد الاسلام - السيد احمد الحسن ع - صفحة 155

إثبات كتابة وصية الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) العاصمة من الضلال عند حضور الموت:


قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]، وفي هذه الآية نصان يدلان على الوجوب، الأول قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾، والثاني قوله تعالى: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وبالتالي فالوصية واجبة على المتقي الأول رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) الذي ترك الخير كله وهو خلافة الله في أرضه، فكيف يدّعي مسلم أنه (صلى الله عليه وآله) لا يوصي بها ويشخص مصاديقها ويخالف أمر الله وحاشاه (صلى الله عليه وآله) من هذا، وقد ثبت عند السنة والشيعة أنه (صلى الله عليه وآله) همَّ بكتابتها ووصفها بأنها عاصمة للأمة من الضلال، كما في روايات حادثة رزية الخميس المشهورة.

عن ابن عباس قال: «يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال: ائتوني اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي نزاع، فقالوا ما شأنه؟ أهجر، استفهموه، فذهبوا يردون عليه فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصاهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها» ( ).
وعن ابن عباس قال: «يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رؤيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ائتوني بالكتف والدواة، أو اللوح والدواة، أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فقالوا: إن رسول الله يهجر» ( ).
وعن سليم بن قيس الهلالي قال: «سمعت سلمان يقول: سمعت علياً (عليه السلام) بعد ما قال ذلك الرجل (عمر) ما قال وغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودفع الكتف: ألا نسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الذي كان أراد أن يكتبه في الكتف مما لو كتبه لم يضل أحد ولم يختلف اثنان فسكت حتى إذا قام من في البيت وبقي علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وذهبنا نقوم وصاحبي أبو ذر والمقداد قال لنا علي (عليه السلام): اجلسوا. فأراد أن يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن نسمع فابتدأه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: «أن الله قد قضى الفرقة والاختلاف على أمتي من بعدي فأمرني أن اكتب ذلك الكتاب الذي أردت أن أكتبه في الكتف لك وأشهد هؤلاء الثلاثة عليه أدع لي بصحيفة. فأتى بها فأملى عليه أسماء الأئمة الهداة من بعده رجلاً رجلاً وعلي (عليه السلام) يخط بيده وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني أشهدكم أن أخي ووزيري ووارثي وخليفتي على أمتي علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم من بعدهم تسعة من ولد الحسين..» ( ).


وعن سليم بن قيس الهلالي: «قال الإمام علي (عليه السلام) لطلحة: ألست قد شهدت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين دعا بالكتف ليكتب فيها مالا تضل الأمة ولا تختلف، فقال صاحبك ما قال: (إن نبي الله يهجر) فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله).......» ( ).


وعن سليم بن قيس: «إن عليا (عليه السلام) قال لطلحة في حديث طويل عند ذكر تفاخر المهاجرين والأنصار بمناقبهم و فضائلهم: يا طلحة أ ليس قد شهدت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين دعانا بالكتف ليكتب فيها ما لا تضل الأمة بعده ولا تختلف فقال صاحبك ما قال إن رسول الله يهجر فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتركها؟ قال: بلى قد شهدته. قال: فإنكم لما خرجتم أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالذي أراد أن يكتب فيها ويشهد عليه العامة وإن جبرئيل أخبره بأن الله تعالى قد علم أن الأمة ستختلف وتفترق ثم دعا بصحيفة فأملى علي ما أراد أن يكتب في الكتف وأشهد على ذلك ثلاثة رهط سلمان الفارسي وأبا ذر و المقداد وسمى من يكون من أئمة الهدى الذين أمر المؤمنين بطاعتهم إلى يوم القيامة فسماني أولهم ثم ابني هذا حسن ثم ابني هذا حسين ثم تسعة من ولد ابني هذا حسين كذلك يا أبا ذر وأنت يا مقداد؟ قالا: نشهد بذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال طلحة: والله لقد سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لأبي ذر: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء ذا لهجة أصدق ولا أبر من أبي ذر. وأنا أشهد أنهما لم يشهدا إلا بالحق وأنت أصدق وأبر عندي منهما» ( ).


فالنتيجة أنّ الوصية واجبة عند حضور الموت وتوفر الفرصة للوصية، وأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) همَّ بكتابتها يوم الخميس ووصفها بأنها كتاب عاصم من الضلال فمُنع من كتابتها، ومن المؤكد أن الرسول (صلى الله عليه وآله) عالي الهمة ولا يركن لمن منعوه ويعصي الله الذي أمره بكتابة الوصية العاصمة للأمة من الضلال أبداً وعنده الوقت الكافي من الخميس إلى الاثنين، وهي مدة ليست بقصيرة ليكتب فيها الوصية، فهل يعقل أنّ الرسول محمداً (صلى الله عليه وآله) يترك كتابة كتاب يعصم الأمة من الضلال مع تمكنه من كتابته، وإذا ترك الكتابة ألا يوصف بأنه خالف الحكمة والرحمة وحاشاه (صلى الله عليه وآله) من هذا؟! فقد كتبها فعلاً ونفذ أمر الله وتم ما أراد الله، ورويت الوصية وحيدة يتيمة لتقطع حجة منكرها وتشهد عليه بالتنكر لها، وهي وصية خاتم النبيين يوم القيامة، فويل لمن أنكرها.

أما من قالوا بنسخ آية الوصية بناءً على الرواية:

«عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهما السلام)، في قوله تعالى: "كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ". قال: هي منسوخة، نسختها آية الفرائض التي هي المواريث "فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ"يعني بذلك الوصي» ( ).

فيجب أنْ يلتفتوا إلى أنّ الخير غير محصور بالأموال والممتلكات، فلو كانت الآية منسوخة لما تعدى النسخ حكمها فيما يخص الأموال والأملاك التي هي موضوع القسمة بين الورثة، أي كون الوصية بالأموال والأملاك المادية التي تقسم بين الورثة غير واجبة بعد نزول آيات المواريث أي غير واجبة بالثلثين، أما حكم الآية فيما عدا هذا فهو سار وجار ولا يمكن ادعاء نسخ آيات المواريث لها.
«عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ فَقَالَ تَجُوزُ قَالَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ» ( ).

والآية تبيّن أيضاً للمؤمن حال الثلث الذي يحق له أنْ يوصي به، وأنه يجب أنْ يوصي به أو ببعضه لخليفة الله في أرضه في زمانه، كما ورد عنهم (عليهم السلام). نعم، يحق لخليفة الله إسقاط هذا الفرض كما يحق له إسقاط الخمس؛ لأنها أموال تخصه فله إسقاطها متى شاء، فهي أموال يعيل بها الأمة وفقراءها، ويتقوّم بها حكم خليفة الله في أرضه.

«عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ" قَالَ: هُوَ شَيْ‏ءٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ قُلْتُ فَهَلْ لِذَلِكَ حَدٌّ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُلْتُ وَمَا هُوَ قَالَ أَدْنَى مَا يَكُونُ ثُلُثُ الثُّلُثِ» ( ).
«عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ "إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ" قَالَ: حَقٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ قَالَ قُلْتُ لِذَلِكَ حَدٌّ مَحْدُودٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ كَمْ قَالَ أَدْنَاهُ السُّدُسُ وَأَكْثَرُهُ الثُّلُثُ» ( ).
«أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّيَّارِيُّ فِي كِتَابِ التَّنْزِيلِ وَالتَّحْرِيفِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى "إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ" قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): وَهُوَ حَقٌّ فَرَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ مِنَ الثُّلُثِ قِيلَ لَهُ كَمْ هُوَ قَالَ أَدْنَاهُ ثُلُثُ الْمَالِ وَالْبَاقِي فِيمَا أَحَبَّ الْمَيِّتُ» ( ).


أيضاً: الوصية بتقوى الله وحث الناس على نصرة خليفة الله في أرضه خصوصاً لمن يظن أنّ لكلامه أو وصيته أثراً على بعض من يقرأها بعد موته في معرفة الحق ونصرة خليفة الله، فأمير المؤمنين (عليه السلام) لم يأمر شخصاً مقلاً بترك الوصية بل أمره بعدم تركها وأنْ يوصي بتقوى الله.

«عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَنَّهُ حَضَرَهُ رَجُلٌ مُقِلٌّ فَقَالَ: أَلَا أُوصِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ أَوْصِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَأَمَّا الْمَالُ فَدَعْهُ لِوَرَثَتِكَ فَإِنَّهُ طَفِيفٌ يَسِيرٌ وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِنْ تَرَكَ خَيْراً وَأَنْتَ لَمْ تَتْرُكْ خَيْراً تُوصِي فِيهِ» ( ).

إذن، فرسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) الذي ترك خيراً كثيراً، وهو منصب خلافة الله في أرضه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، لا يصح أنْ يترك الوصية بهذا الأمر، فهو خليفة الله وخليفة الله هو طريق إيصال التكليف للناس، فكيف يترك الوصية بمن يخلفه ويترك الناس في هرج ومرج وخلاف وتناحر؟!

وغير صحيح قول بعض من يدّعون العلم من الشيعة: إنّ ترك كتابة الوصية مطلقاً راجح؛ لأنّ من اعترضوا - أي عمر وجماعته - في رزية الخميس على كتابتها وقالوا يهجر أو غلبه الوجع لن يتورعوا بعد وفاة رسول الله عن الطعن بسلامة قواه العقلية عند كتابته للوصية كما فعلوا في رزية الخميس.

وقولهم هذا غير صحيح؛ لأنّ هذا يمكن أن يحصل فيما لو كتبت الوصية وأبرزت وأظهرت لهؤلاء المعترضين، أما لو كتبت لعلي وأشهد عليها من قبلها من الأصحاب دون إبرازها لهؤلاء المعترضين، فلن يكون هناك طعن بالرسول (صلى الله عليه وآله)، وفي نفس الوقت يحقق الغرض من كتابة الوصية؛ وهو أنْ تصل إلى الخلف من هذه الأمة وتنفي الضلال عن هذه الأمة إلى يوم القيامة.
نعم يجوز لمن يدّعون الفقه أنْ يسوقوا الكلام السابق لتعليل عدم إصرار رسول الله (صلى الله عليه وآله) على كتابة الوصية في نفس الموقف، أي في حادثة الخميس لا مطلقاً.

وهذا أمر بديهي، فهل من يشق عليه صيام يوم من شهر رمضان يعرض عن صيام هذا اليوم مطلقاً، أم يصومه في يوم آخر يمكنه صيامه فيه؟ وهل من لا يتمكن من أداء الصلاة في مكان لوجود النجاسة فيه يمتنع عن الصلاة، أم يصليها في مكان آخر؟ !!!


وكتاب رسول الله عند الاحتضار (الوصية) أمر عظيم أعظم من الصوم والصلاة، فرضه الله على الرسول بقوله تعالى: (كتب، وحقاً)، ووصفه رسول الله بأنه يعصم الأمة من الضلال إلى يوم القيامة، فكيف يتركه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مطلقاً بمجرد أنْ اعترض عليه جماعة في يوم الخميس؟
في الحقيقة إنه أمر عظيم وخطير أنْ يُتهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بترك كتابة الوصية عند الاحتضار؛ حيث إنه يمثل اتهاماً للرسول بأنه ترك ما أمره الله به مع تمكنه من أدائه والقيام به. فالله يوجب كتابة الوصية على سيد وإمام المتقين محمد مرتين بآية واحدة بقوله: "كتب، حقاً على"، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180]، ويأتي فلان أو فلان اليوم ليقول إنّ محمداً ترك الوصية التي تشخص الثقلين، وهكذا بكل بساطة يتهم رسول الله بأنه يعصي الله، لأنّ الوصية الوحيدة المروية لا توافق هواه، ولأنّ فيها ذكر المهديين واسم أولهم.

هكذا فقط لأنها لا تعجبه يقول إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يوصِ، هل هناك اتباع للهوى أبين من هذا؟!

والمصيبة إنّ بعضهم يدّعون أنهم يعلمون ما في وصية رسول الله التي لم يكتبها حسب زعمهم، وبأنها مجرد تأكيد لبيعة الغدير ولحديث الثقلين المجمل، ولهذا فهو (صلى الله عليه وآله) لم يهتم لكتابتها ولم يكتبها بعد حادثة الرزية بحسب زعمهم ولو للمساكين الذي يقبلونها كعمار وأبي ذر والمقداد، ولم يكتبها حتى لعلي لتصل لمن يقبلها بعده، لكي لا يضيع ويضل كل من في أصلاب الرجال وتعصم الأمة من الضلال.

ولا أدري من أين علموا أنّ الوصية مجرد تكرار أو تأكيد لحادثة الغدير أو غيرها من الحوادث والأقوال السابقة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كحديث الثقلين المجمل، مع أنه (صلى الله عليه وآله) نبي ورسول من الله والوحي مستمر له ورسالته لهداية الناس مستمرة حتى آخر لحظة من حياته، فهل أنّ الله أخبرهم مثلاً أنه لم يوحي لمحمد قبل احتضاره بيوم أو بشهر أو بشهرين شيئاً جديداً وتفاصيل جديدة تخص أحد الثقلين وهو الأوصياء من بعده وأسماء وصفات بعضهم بما يضمن عدم ضلال الأمة إلى يوم القيامة، مع أنّ هذا الأمر موافق للحكمة، وإذا لم يكن قد أوحى الله لهؤلاء المدّعين شيئاً فلماذا الجزم بأنّ الوصية كانت مجرد تكرار لما سبق، ولهذا كان الأفضل ترك كتابتها بعد رزية الخميس بحسب زعمهم؟
وعلة الوصية عند الاحتضار لخليفة الله والحكمة منها؛ لأنّ الوحي والتبليغ مستمر لخليفة الله في أرضه حتى آخر لحظة من حياته، فوصيته قد تكون بآخر ما يوحى له فيما يخص أمر خليفة أو خلفاء الله من بعده أو أوصيائه، ولهذا قال الحكيم المطلق سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ...﴾، ولم يقل كتب عليكم الوصية فحسب. ولهذا بيَّنَ الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) فيما سمي برزية الخميس بأنّ وصيته عند الموت هي العاصم من الضلال لا غير؛ لأنها في تشخيص الثقلين (المُخلَف العاصم من الضلال) بالاسم والصفة الذي لا يمكن معه حصول الضلال لمن التزم بهذه الوصية إلى يوم القيامة.

وهنا أعيد للتنبيه ولفت الانتباه إلى إنّ قول الرسول في يوم الرزية - كما سماه ابن عباس- : (‏ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) معناه أنّ ما سبق من التبليغ الذي جاء به الرسول - بما فيه القرآن وعلي (عليه السلام) الذي بلغ بوصايته مرات عديدة بل والحسن والحسين (عليهما السلام) الذين شخصا بحديث الكساء وغيره - لا يعصم الأمة من الضلال إلى يوم القيامة، بل الذي يعصم الأمة من الضلال هو هذا التشخيص الدقيق للثقلين الذي أوحي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمره الله بتبليغه للناس بوصيته المباركة عند الاحتضار وفي ختام حياته ورسالته المباركة.
في الختام:

لدينا آية توجب كتابة الوصية عند الاحتضار وبكلمتين دالتين على الوجوب: (كتب، وحقاً على)، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:180]، فمن ينكر كتابة الوصية يتهم الرسول بالمعصية.
ولدينا روايات تدل على كتابة الوصية أو همَّ الرسول بكتابة الوصية عند الاحتضار كرزية الخميس المروية في البخاري وما رواه سليم بن قيس في كتابه.

ولدينا روايات موافقة لمحتوى الوصية وهي روايات المهديين الاثني عشر، ويمكن الرجوع إلى مصادرها عند الشيعة والسنة. وأيضاً ما رواه الطوسي عنهم (عليهم السلام) في أنّ اسم المهدي (أحمد وعبد الله والمهدي)، وما رواه السنة من أنّ اسم المهدي يواطئ اسم النبي أي أحمد كما ورد في الوصية.
ولدينا نص الوصية المكتوبة عند الاحتضار وهي مروية في غيبة الطوسي، ولا يوجد لدينا معارض لنص الوصية.
وكل إشكال أتوا به لرد الوصية تم رده وبيان بطلانه بصورة واضحة وجلية.
فكيف يمكن - بعد كل هذا - لعاقل أنْ يرد الوصية، وكيف لمن يخاف الآخرة أنْ يرد الوصية، وكيف لمن يتقي الله أنْ يرد الوصية؟!!!