زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)
زيد الثائر الشهيد
الإخبار بما يجري على زيد:
هذه بعض الروايات الواردة عن الإمام زين العابدين عليه السلام:
تقدم رواية أبي حمزة الثمالي، قال: كنت أزور علي بن الحسين عليهما السلام في كل سنة مرة في وقت الحج، فأتيته سنة وإذا على فخذه صبي، فقام الصبي يمشي فوقع على عتبة الباب، فانشج رأسه، فوثب إليه مهرولاً ، فجعل ينشف دمه ويقول: اني أعيذك أن تكون المصلوب في الكناسة. قلت بأبي أنت وأمي وأي كناسة؟ قال: كناسة الكوفة. قلت: ويكون ذلك؟ قال: اي والذي بعث محمداً بالحق نبياً، لئن عشت بعدي لترين هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة، وهو مقتول مدفون منبوش مسحوب مصلوب في الكناسة، ثم ينزل فيحرق ويذرى في الهواء. فقلت: جعلت فداك، وما اسم هذا الغلام؟ فقال: ابني زيد، ثم دمعت عيناه .....).
(عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي "ع" قال: يخرج بظهر الكوفة رجل يقال له زيد في أبهة والأبهة (الملك) لا يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون إلا من عمل بمثل عمله يخرج يوم القيامة هو وأصحابه معهم الطوامير أو شبه الطوامير حتى يتخطوا أعناق الخلائق تتلقاهم الملائكة فيقولون هؤلاء خلف الخلف ودعاة الحق، ويستقبلهم رسول الله "ص" فيقول: "يا بني قد عملتم ما أمرتم به فأدخلوا الجنة بغير حساب ")
(خالد مولى آل الزبير قال: كنا عند علي بن الحسين فدعا ابناً له يقال له زيد فكبا لوجهه وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: أعيذك بالله أن تكون زيداً المصلوب بالكناسة، من نظر إلى عورته متعمداً أصلى الله وجهه النار)
وهذا بعض ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام : قال عليه السلام لزيد: "... أعيذك بالله أن تكون قتيل العراق"
(عن يونس بن جناب قال: جئت مع أبي جعفر إلى الكتاب فدعا زيداً فاعتنقه وألزق بطنه ببطنه وقال: أعيذك بالله أن تكون صليب الكناسة).
وروى جابر عن الإمام الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله للحسين: يخرج رجل من صلبك يقال له زيد يتخطى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس غراً محجلين يدخلون الجنة بغير حساب "
وبالطبع، فإنّ ما أخبر به الإمام علي بن الحسين وابنه الباقر عليهما السلام كان قد أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله:
(عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر يوماً إلى زيد بن حارثة وبكى وقال : المظلوم من أهل بيتي سمي هذا والمقتول في الله والمصلوب من أمتي سمي وأشار إلى زيد بن حارثة ثم قال: ادن مني يا زيد زادك الله حباً عندي فإنك سمي الحبيب من
ولدي زيد)
(عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: قال رسول الله "ص": "يقتل رجل من أهل بيتي فيُصلب لا ترى الجنة عين رأت عورته "
لم يكن آل محمد عليهم السلام وحدهم يعلمون بمصير زيد وما سيلاقيه وحسب، ولكن كان بعض أخوتهم وعمومتهم يعلمون ذلك أيضاً، وبالتأكيد بتعليم منهم ، فمثلاً: كان محمد بن الحنفية يعلم بذلك.
روى: (الحسين بن زيد بن علي عن ريطة بنت عبد الله بن محمد بن الحنفية عن أبيها قال: مر زيد بن علي بن الحسين على محمد بن الحنفية فرقَ له وأجلسه وقال: أعيذك بالله يا ابن أخي أن تكون زيداً المصلوب بالعراق ولا ينظر أحد إلى عورته. ولا ينظره إلا كان في أسفل درك من جهنم).
(عن عون بن عبيد الله، قال: كنت مع محمد بن علي بن الحنفية في فناء داره، فمر به زيد بن الحسين، فرفع طرفه إليه، ثم قال ليقتلن من ولد الحسين رجل يقال له زيد بن علي، وليصلبن بالعراق، ومن نظر إلى عورته فلم ينصره أكبه الله على وجهه في النار).
ثم إن إخبار الرسول وآله صلوات الله عليهم بما يجري على زيد وثنائهم عليه يكشف - بلاشك - عن رضاهم عنه وعن ثورته.
دوافع ثورة زيد وشرعيتها:
يعترف بعض المؤرخين بأنّ سبب قيام زيد بثورته مختلف فيه، قال الطبري: (ذكر الخبر عن سبب مقتله وأموره وسبب مخرجه: اختلف في سبب خروجه ...)
مع هذا، فقد ابتدأ الطبري (وغيره) بذكر سبب مالي أدى - بحسبه – إلى قيام زيد بن علي على بني أمية بالكوفة، خلاصته
إن خلافاً مالياً حصل بين زيد وبين خالد بن عبد الله القسري، حيث ادّعى خالد على زيد ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وداود بن علي بن عبد الله بن عباس وآخرين مالاً، فأخبر يوسف بن عمر الثقفي (عامل) هشام بن عبد الملك على العراق بذلك، فكتب يوسف إلى هشام يخبره، فبعث عليهم وعند حضورهم عنده سألهم عن ذلك فأنكروا فقرّر أن يبعث بهم إلى يوسف ليجمعهم بخالد، وكتب هشام إليه كتاباً، جاء فيه: "أما بعد ، فإذا قدم عليك زيد، وفلان وفلان فاجمع بينهم وبينه، فإن أقروا بما ادعى عليهم فسرح بهم إلي، وإن هم أنكروا فاسأله البينة، فإن لم يقمها فاستحلفهم بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما استودعهم وديعة، ولا له قبلهم شيء، ثم خل سبيلهم".
بعد وصولهم إلى يوسف سألهم عن المال فأنكروا ثم أخرج لهم خالد القسري وقال له: "هذا زيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي اللذان ادعيت قبلهما ما ادعيت قال: ما لي قبلهما قليل ولا كثير. قال له يوسف أفبي كنت تهزأ وبأمير المؤمنين (يقصد هشام بن عبد الملك)؟ فعذبه عذاباً ظن أنه قد قتله". ثم أخرجهم إلى المسجد واستحلفهم فحلفوا فخلّى سبيلهم وكتب إلى هشام بذلك. وبعد انتهاء هذه الحادثة لم يغادر زيد الكوفة، واجتمع إليه بعض الشيعة فيها وطلبوا منه أن يقبل بيعتهم ليقوم بهم على بني أمية، فحدثت الثورة.
هذا مجمل ما ذكره بعض المؤرخين عند تعرضهم لبيان الدافع في ثورة زيد
وبالرغم من وضوح براءة زيد من التهمة باعتراف خالد نفسه وتخلية سبيله، إلا أنّ
المسألة - ولا شك - لها أبعاد أخرى؛ إذ قضية وجود خلاف مالي بين طرفين لا يستدعي - بطبيعة الحال - تدخّل حاكم الشام بنفسه كما لا يخفى وإليكم ملخص الحكاية من البداية، وبإيجاز يوقفنا على الحقيقة.
كان خالد بن عبد الله القسري والياً على العراق من طرف هشام بن عبد الملك، وخالد هذا معروف عنه تعصبه لبني أمية وانحرافه عن الإمام علي وأبنائه عليهم السلام، فكان معتاداً على شتمهم على منبره لعنه الله. وأيضاً: كان مشهوراً بقسوته وإجرامه وفساده الأخلاقي والمالي حتى بلغ به الحال إلى اختلاس بيت المال وتعديه على أموال وضياع أميره هشام بن عبد الملك ، ولما فاحت جيفة فساده وبلغ طاغية الشام حاله قرر عزله بهدوء وولّى يوسف بن عمر الثقفي مكانه، وواضح أنّ قضية الاختلاس هذه كانت كبيرة وضخمة بحيث استدعت تدخل هشام بنفسه.
بالتأكيد سيتطلب الأمر تبادل رسائل بين هشام وعامله الجديد (يوسف بن عمر الثقفي) تتضمن سير التحقيق في فساد خالد الذي ألقى يوسف عليه القبض وقام بتعذيبه، ومما جاء في أحد كتب يوسف لهشام أنّ خالداً يدعي أنه أودع ستمائة ألف درهم من الأموال التي اختلسها عند زيد بن علي وآخرين، وإثر ذلك استقدم هشام زيداً إلى الشام وجرى بينهما نقاشاً حاداً و أقدم هشام زيد بن علي بن الحسين، فقال له: إن يوسف بن عمر الثقفي كتب يذكر أن خالد بن عبد الله القسري ذكر له أنّ عندك ستمائة ألف درهم وديعة، فقال: ما لخالد عندي شيء قال: فلابد من أن تشخص إلى يوسف ابن عمر حتى يجمع بينك وبين خالد. قال: لا توجّه بي إلى عبد ثقيف يتلاعب بي، فقال: لابد من إشخاصك إليه، فكلّمه زيد بكلام كثير، فقال له هشام: لقد بلغني أنك تؤهّل نفسك للخلافة، وأنت ابن أمة. قال: ويلك مكان أمي يضعني؟ والله لقد كان إسحاق ابن حرة وإسماعيل ابن أمة، فاختص الله عز وجل ولد إسماعيل، فجعل منهم العرب، فما زال ذلك ينمي حتى كان منهم رسول الله، ثم قال: اتق الله يا هشام فقال أو مثلك يأمرني بتقوى الله؟ فقال: نعم! إنه ليس أحد دون أن يأمر بها، ولا أحد فوق أن يسمعها. فأخرجه مع رسل من قبله، فلما خرج قال: والله إني لأعلم أنه ما أحب الحياة قط أحد إلا ذل. وكتب هشام إلى يوسف بن عمر: إذا قدم عليك زيد بن علي فاجمع بينه وبين خالد، ولا يقيمن قِبَلك ساعة واحدة، فإني رأيته رجلاً
حلو اللسان شديد البيان خليقاً بتمويه الكلام، وأهل العراق أسرع شيء إلى مثله.
فلما قدم زيد الكوفة دخل إلى يوسف فقال : لم أشخصتني من عند أمير المؤمنين؟ قال: ذكر خالد بن عبد الله أنّ له عندك ستمائة ألف درهم . قال : فأحضر خالداً! فأحضره وعليه حديد ثقيل، فقال له يوسف هذا زيد ابن علي، فاذكر ما لك عنده! فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما لي عنده قليل ولا كثير، ولا أردتم بإحضاره إلا ظلمه. فأقبل يوسف على زيد، وقال له: إن أمير المؤمنين أمرني أن أخرجك من الكوفة ساعة قدومك قال (زيد):
فأستريح ثلاثاً ثم أخرج قال: ما إلى ذلك سبيل. قال: فيومي هذا. قال: ولا ساعة واحدة. فأخرجه مع رسل من قبله، ،، ... فلما صار رسل يوسف بالعذيب انصرفوا، و انكفأ زيد راجعاً إلى الكوفة، فاجتمع إليه من بها من الشيعة ...) .
واضح جداً أنّ الخلاف كان بين حاكم أموي وعماله في موضوع سرقة أموال ضخمة ودنيا قذرة، لكن الزج باسم زيد في الموضوع كان لأجل غاية أوضحها هشام في نقاشه مع زيد لما قال له: "لقد بلغني أنك تؤهّل نفسك للخلافة"!
وللتوضيح أكثر ، أقول: لا شك أنّ سياسة الأمويين وولاتهم عموماً (ومنهم هشام بن عبد الملك وولاته كانت قائمة على عداء آل محمد عليهم السلام وسبهم والإساءة لهم والتضييق عليهم ومحاصرتهم بل وقتلهم ولم يقتصر الأمر على الامام الحسين عليه السلام فقط، بل لم يقف الحال عند الأئمة المعصومين من ولده أعني السجاد والباقر عليهما السلام اللذين قضيا بسم طغاة بني أمية، وإنما تعدى الأمر ليشمل أبنائهم وأخوتهم المعروف عنهم الوجاهة والقوة والشجاعة وعدم اللين أو الانخراط مع عموم الناس في توجههم ورضوخهم للحكم الأموي، كزيد الشهيد مثلاً.
زيد كان معروفاً عنه صلابته في الحق وبغضه لبني أمية و إنكاره لعموم النهج المخالف لآل محمد عليهم السلام، وهذه رواية تبيّن صلابته في الحق
(عن سدير، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام ومعي سلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحداد وسالم بن أبي حفصة، وكثير النواء، وجماعة معهم، وعند أبي جعفر عليه السلام أخوه زيد بن علي عليهم السلام فقالوا لأبي جعفر عليه السلام نتولّى علياً وحسناً وحسيناً ونتبرأ من أعداهم قال نعم قالوا نتولّى أبا بكر وعمر ونتبرأ من أعدائهم! قال: فالتفت إليهم زيد بن علي فقال لهم: أتتبرؤن من فاطمة بترتم أمرنا بتركم الله، فيومئذ سموا البترية).
وأيضاً: كانت لزيد مكانة كبيرة بين عموم الناس وقد تقدم اشتهاره بين أهل المدينة بتقواه وورعه وعبادته وعلمه وأيضاً لزيد مكانة خاصة عند أهل العراق (الشيعة بالخصوص) ، ولذا طلب هشام من عامله يوسف بن عمر أن لا يبقي زيداً ساعة في الكوفة ويأمره بالخروج منها فوراً!
بالتأكيد، انجذاب الناس لزيد أمر يقلق الطاغية الأموي هشام بن عبد الملك وواليه يوسف بن عمر، فعمدوا إلى أساليب خبيثة؛ الهدف منها الحط من مكانة زيد في النفوس، من قبيل الزج باسمه في مسألة الخلاف المالي المتقدم مع أنه لا دخل له بالموضوع أصلاً، وحتى خالد القسري "السارق" نفسه اعترف أنه لم يدّعِ عليه شيئاً وكان حشره في القضية وإحضاره ظلماً له، حيث قال: " والله الذي لا إله إلا هو ما لي عنده قليل ولا كثير، ولا أردتم بإحضاره إلا ظلمه"!
لم تكن محاولة هشام - لعنه الله - هذه للإساءة إلى زيد هي الوحيدة، بل قبل ذلك كان هناك سعي حثيث من قبل عامل هشام على المدينة خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم) لإحداث فجوة وخلاف بين زيد (ممثلاً لولد الحسين) وبين بعض ولد الحسن وتحديداً جعفر ابن الحسن المثنى، وبعد موته تولى أخوه عبد الله بن الحسن المثنى مخاصمة زيد في بعض أموال الوقف العائد للإمام علي عليه السلام:
وهذا حوار دار بين زيد وبين عبد الله بن الحسن المثنى بمحضر والي المدينة خالد بن عبد الملك بن الحارث ومع خالد (فلما مات جعفر نازعه عبد الله بن الحسن بن الحسن فتنازعا يوماً بين يدي . بن عبد الملك بن الحرث بالمدينة فأغلظ عبد الله لزيد وقال: يا ابن السندية، فضحك زيد وقال: قد كان إسماعيل لأمة. ذلك فقد صبرت بعد وفاة سيدها إذ لم يصبر غيرها، يعني: فاطمة ابنة الحسين أم عبد الله فإنها تزوجت بعد أبيه الحسن بن الحسن، ثم ندم زيد واستحيا من فاطمة وهي عمته فلم يدخل عليها زماناً فأرسلت إليه: يا ابن أخي إني لأعلم أن أمك عندك كأم عبد الله عنده وقالت لعبد الله: بئسما قلت لأم زيد أما والله لنعم دخيلة القوم كانت.
قال: فذكر أن خالداً قال لهما اغدوا علينا غداً فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما فباتت المدينة تغلي كالمرجل يقول قائل قال زيد كذا ويقول قائل قال عبد الله كذا. فلما كان الغد جلس خالد في المسجد واجتمع الناس فمن بين شامت ومهموم فدعا بهما خالد وهو يحب أن يتشامتا فذهب عبد الله يتكلم ، فقال زيد: لا تعجل يا أبا محمد أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبداً، ثم أقبل على خالد فقال: أجمعت ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر! فقال خالد: ما لهذا السفيه أحد! فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال: يا ابن أبي تراب وابن حسين السفيه أما ترى للوالي عليك حقاً ولا طاعة ؟ فقال زيد: اسكت أيها القحطاني فإنا لا نجيب مثلك، قال: ولم ترغب عني فوالله إني لخير منك و أبي خير من أبيك وأمي خير من أمك، فتضاحك زيد وقال: يا معشر قريش، هذا الدين قد ذهب فذهب الأحساب! فوالله ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم، فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال: كذبت والله أيها القحطاني فوالله لهو خير منك نفساً وأماً و أباً ومحتداً، وتناوله بكلام كثير وأخذ كفاً من حصباء وضرب بها الأرض ثم قال: إنه والله ما لنا على هذا من صبر).
لاحظ أن والي المدينة كان يحب أن يتشاتما"، وهذا يكشف غرض الأمويين الذي أشرت إليه أعني إذكاء الفتنة بين ولد الحسين وولد الحسن، وواضح أنّ الهدف من الإساءة إلى آل محمد وذرية الرسول صلى الله عليه وآله عموماً هو توهين قدرهم عند الناس لتبقى الساحة خالية لبني أمية، وكان أئمة أهل البيت عليہم السلام من ولد الحسين عليهم السلام ملتفتين لهذا المخطط الشيطاني تماماً وعازمين على إفشاله مهما بلغ الألم، لذلك استمروا بالنصح وصبروا كثيراً وتحمّلوا كل الأذى الذي سببه لهم أبناء عمومتهم من ولد الحسن كما سيتضح ذلك لاحقاً بالتفصيل.
زيد الشهيد أيضاً كان نبهاً وملتفتاً إلى مخطط الأمويين هذا، ولذا عاب على "والي المدينة" تدخله في خصومة عائلية، ووعد ابن عمه عبد الله أن لا يخاصمه أبداً!
أعود لتحديد الدافع الحقيقي لثورة زيد الشهيد، فأقول:
إن التحليل المنطقي للأحداث لا يقبل أن يكون دافع الثورة خلافاً مالياً بين زيد وبين وال أموي أو بين زيد وبين بعض بني عمومته ؛ إذ من غير المعقول أن يقود خلاف مالي تمت تسويته إلى ثورة على بني أمية في الكوفة تؤدي بالنتيجة إلى مقتل قائد الثورة وخيرة أصحابه ثم صلبه وحرق جسده الشريف.
السبب الحقيقي وراء ثورة زيد الشهيد هو اعتقاده بانحراف الأمويين وظلمهم وضرورة جهادهم والإطاحة بحكمهم الجائر وإعادة الحق إلى آل محمد علیهم السلام بوصفهم أوصياء الرسول وخلفائه الشرعيين والمرضيين عند الله، ولهذا كان شعاره: "الرضا من آل محمد" ودعوة الناس إلى ذلك.
قال الإمام الصادق : ... فإنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه ...).
بنو أمية الذين قتلوا الحسين صلوات الله عليه لا زالوا يحكمون، ولا زال دم الحسين معلق في رقابهم، فما قتل الحسين ليس شخص يزيد - لعنه الله . وحسب، ولكنه منهج شيطاني مستمر، بل لا زال علي وأبنائه الأوصياء يُشتمون ويُساء إليهم، وقبل قليل قرأنا إساءة أحدهم للحسين عليه السلام بمحضر والي هشام على المدينة، وبالتالي فمقومات الثورة ضد بني أمية كلها لا زالت كما هي. نعم، الله سبحانه لم يأذن لآل محمد الأوصياء بالثورة والقيام بعد الحسين؛ حفظاً على الدين الذي يذهب بذهابهم كما بينا وسيأتي مزيد من البيان له لاحقاً، لكن هذا لا يعني أنّ مبررات الثورة ضد بني أمية غير موجودة، وأنّ الجميع غير مأذون لهم بالثورة إن استأذنوا الإمام المعصوم وأذن لهم كما حصل مع المختار وسليمان بن صرد فيما سبق. ولذا ورد عن الإمام الباقر عليه السلام في وصف أخيه زيد: "الطالب بأوتارهم" أي بقتلاهم والمعتدى عليهم ، يعني بذلك: الحسين وأهل بيته في كربلاء!
(عن أبي الجارود زياد بن المنذر ، قال : إني لجالس عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام إذ أقبل زيد بن علي عليه السلام، فلما نظر إليه أبو جعفر عليه السلام وهو مقبل، قال: هذا سيد من أهل بيته، والطالب بأوتارهم، لقد أنجبت أم ولدتك يا زيد).
وأيضاً: الإمام الصادق عليه السلام أوضح أنّ زيداً خرج لأجل دعوة الناس إلى الرضا من آل محمد ولم يدعهم إلى نفسه ولا طمعاً بمنصب أو جاه دنيوي ونحو ذلك، كما أنه علیه السلام نہى شيعته عن التحرك بعد شهادة زيد عليه السلام، وأعلن لهم أنه لا يرضى بذلك، وربما قدّر بعلمه وحكمته - وهو الإمام المعصوم - أن لا فائدة من الخروج؛ إذ الاجتماع لا يحصل والثمرة لا تتحقق والأمر صائر إلى منتهاه الذي يعلمه، وبالتالي تذهب الدماء هدراً:
(عن عيص بن القاسم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له وانظروا لأنفسكم فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلا هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيئ بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية فعمل على ما قد استبان لها ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم ، إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون ولا تقولوا خرج زيد فإنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه فالخارج منا اليوم إلى أي شيء يدعوكم إلى الرضا من آل محمد عليهم
السلام فنحن نشهدكم إنا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد ...).
وأيضاً: الإمام الرضا عليه السلام بين أسباب نهوض زيد الشهيد بوجه بني أمية، وأن ثورته غضب الله وجهاد أعداء الله ، كما أنه دعا الناس إلى الرضا من آل محمد:
(ابن أبي عبدون عن أبيه قال: لما حمل زيد بن موسى بن جعفر إلى المأمون وقد كان خرج بالبصرة وأحرق دور ولد العباس وهب المأمون جرمه لأخيه علي بن موسى الرضا عليهما السلام وقال له : يا أبا الحسن لئن خرج أخوك وفعل ما فعل لقد خرج قبله زيد بن علي فقتل ولولا مكانك مني لقتلته فليس ما أتاه بصغير ، فقال الرضا عليه السلام: يا أمير المؤمنين لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن علي فإنه كان من علماء آل محمد غضب الله عزوجل فجاهد أعداءه حتى قُتل في سبيله ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر عليهما السلام أنه ع أباه جعفر بن محمد بن علي عليهم السلام يقول: رحم الله عمي زيداً إنه دعا إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفى بما دعا إليه ولقد استشارني في خروجه فقلت له: يا عم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك فلما ولي قال جعفر بن محمد: ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه، فقال المأمون يا أبا الحسن أليس قد جاء فيمن ادعى الإمامة بغير حقها ما جاء؟ فقال الرضا عليه السلام: إنّ زيد بن علي لم يدع ما ليس له بحق وإنه كان اتقى الله . من ذلك إنه قال : أدعوكم إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام وإنما جاء ما جاء فيمن يدعي أنّ الله تعالى نص عليه ثم يدعو إلى غيردين الله ويضل عن سبيله بغير علم.
وكان زيد والله ممن خوطب بهذه الآية: "وجاهدوا في الله حق جهاده هو أجتبيكم").
كلام الإمام الرضا صلوات الله عليه بحق عمّه زيد في غاية الأهمية، فهو لم يحدد سبب ثورته فقط، وإنما بيّن - أيضاً - شرعية ثورته بعد بيان أنّ زيداً استشار الإمام المعصوم (الصادق عليه السلام) في خروجه وثورته وأذن له الإمام، وبعد قوله بحقه: "ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه"!
وهو نفس مؤدى قول أبيه الباقر عليه السلام الذي أوجب نصرة زيد:
(قال سدير الصيرفي : كنت عند أبي جعفر الباقر عليه السلام فدخل زيد بن علي فضرب أبو جعفر على كتفه وقال هذا سيد بني هاشم فإذا دعاكم فأجيبوه وإذا استنصركم فانصروه).
و أيضاً: زيد الشهيد نفسه أوضح سبب قيامه وثورته لأبي حمزة الثمالي، لما التقاه في الكوفة في دار معاوية بن إسحاق وسأله عن سبب قدومه الكوفة، فأجابه زيد: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالتأكيد فإنّ باطل وانحراف الأمويين وظلمهم هو رأس المنكر، كما أنّ إرجاع الحق لأهله آل محمد) هو رأس المعروف.
وهذا مقطع من رواية أبي حمزة التي أخبر فيها الإمام علي بن الحسين عليه السلام بمصير ولده زيد، إلى أن قال لأبي حمزة ) . . وسترى ما قلت لك.
قال أبو حمزة: فما لبثت إلا برهة حتى رأيت زيداً بالكوفة في دار معاوية بن إسحاق فسلمت عليه ثم قلت: جعلت فداك ما أقدمك هذا البلد ؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فكنت أختلف إليه فجئته ليلة النصف من شعبان فسلمت عليه وجلست عنده. فقال: يا أبا حمزة تقوم حتى تزور قبر أمير المؤمنين علي عليه السلام؟ قلت: نعم جعلت فداك. ثم ساق أبو حمزة الحديث حتى قال: أتينا الذكوات البيض فقال: هذا قبر علي بن أبي طالب عليه السلام ثم رجعنا فكان من أمره ما كان فوالله لقد رأيته مقتولاً مدفوناً منبوشاً مسلوباً مسحوباً مصلوباً بالكناسة ثم أحرق ودق وذري في الهواء).
فتلخص بما تقدم: أن دافع زيد عليه السلام الحقيقي في ثورته بوجه طغاة بـ بني هو طلب الرضا من آل محمد وإرجاع الحق لهم ودعوة الناس إليهم، وأن ثورته المباركة شرعية بعد أن استشار الإمام الصادق عليه السلام بخروجه وأذن له، وبالتالي فهي غير مشمولة بالنهي الوارد عن آل محمد عن الخروج قبل قيام القائم عليه السلام، ولا ينطبق عليها الوصف المذكور للرايات التي تخرج قبل قيامه:
قال الإمام الصادق عليه السلام: "خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة والسفياني والخسف وقتل النفس الزكية واليماني فقلت: جعلت فداك إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟ قال: لا "
قال الإمام الصادق عليه السلام: "كل" راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها
طاغوت يعبد من دون الله عز وجل"
ثورة زيد الشهيد غير مشمولة بهذا النهي وهذا الوصف؛ لأنها - كما قلت - مأذون بها من قبل الإمام المعصوم.
ملاحظة :
نحن بيّنا الدافع الحقيقي الذي قصده زيد بقيامه وثورته، وبالتأكيد فإنّ الظلم والجور الذي عانى منه المسلمون في تلك الحقبة من حكام وولاة بني أمية لو كان وحده لكان سبباً كافياً في منح المسلمين الحق للثورة بوجه الأمويين الطغاة المنحرفين، بحسب البعض - أيّد أبو حنيفة النعمان بن ثابت" ثورة زيد، وكان زيد دعاه لنصرته فتعذر وقال لرسوله : " ابسط عذري إليه" واكتفى بحث الناس على نصرته ومده بمعونة مالية :
ويروى أن أبا حنيفة قال - لما بلغه خروج زيد : ضاهى خروجه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، فقيل له: لم تخلفت عنه؟ قال: حبسني عنه ودائع الناس، عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل ، فخفت أن أموت مجهلاً)
(وكان أبو حنيفة رحمه الله يفتى سرّاً بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليهما وحمل المال إليه والخروج معه على اللص المتغلب المتسمّى بالإمام والخليفة)، يقصد هشام بن عبد الملك.

كتاب يوم الحسين {ع} ج3
للدكتور الشيخ علاء السالم

زيد الثائر الشهيد
الإخبار بما يجري على زيد:
هذه بعض الروايات الواردة عن الإمام زين العابدين عليه السلام:
تقدم رواية أبي حمزة الثمالي، قال: كنت أزور علي بن الحسين عليهما السلام في كل سنة مرة في وقت الحج، فأتيته سنة وإذا على فخذه صبي، فقام الصبي يمشي فوقع على عتبة الباب، فانشج رأسه، فوثب إليه مهرولاً ، فجعل ينشف دمه ويقول: اني أعيذك أن تكون المصلوب في الكناسة. قلت بأبي أنت وأمي وأي كناسة؟ قال: كناسة الكوفة. قلت: ويكون ذلك؟ قال: اي والذي بعث محمداً بالحق نبياً، لئن عشت بعدي لترين هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة، وهو مقتول مدفون منبوش مسحوب مصلوب في الكناسة، ثم ينزل فيحرق ويذرى في الهواء. فقلت: جعلت فداك، وما اسم هذا الغلام؟ فقال: ابني زيد، ثم دمعت عيناه .....).
(عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي "ع" قال: يخرج بظهر الكوفة رجل يقال له زيد في أبهة والأبهة (الملك) لا يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون إلا من عمل بمثل عمله يخرج يوم القيامة هو وأصحابه معهم الطوامير أو شبه الطوامير حتى يتخطوا أعناق الخلائق تتلقاهم الملائكة فيقولون هؤلاء خلف الخلف ودعاة الحق، ويستقبلهم رسول الله "ص" فيقول: "يا بني قد عملتم ما أمرتم به فأدخلوا الجنة بغير حساب ")
(خالد مولى آل الزبير قال: كنا عند علي بن الحسين فدعا ابناً له يقال له زيد فكبا لوجهه وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: أعيذك بالله أن تكون زيداً المصلوب بالكناسة، من نظر إلى عورته متعمداً أصلى الله وجهه النار)
وهذا بعض ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام : قال عليه السلام لزيد: "... أعيذك بالله أن تكون قتيل العراق"
(عن يونس بن جناب قال: جئت مع أبي جعفر إلى الكتاب فدعا زيداً فاعتنقه وألزق بطنه ببطنه وقال: أعيذك بالله أن تكون صليب الكناسة).
وروى جابر عن الإمام الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله للحسين: يخرج رجل من صلبك يقال له زيد يتخطى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس غراً محجلين يدخلون الجنة بغير حساب "
وبالطبع، فإنّ ما أخبر به الإمام علي بن الحسين وابنه الباقر عليهما السلام كان قد أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله:
(عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر يوماً إلى زيد بن حارثة وبكى وقال : المظلوم من أهل بيتي سمي هذا والمقتول في الله والمصلوب من أمتي سمي وأشار إلى زيد بن حارثة ثم قال: ادن مني يا زيد زادك الله حباً عندي فإنك سمي الحبيب من
ولدي زيد)
(عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: قال رسول الله "ص": "يقتل رجل من أهل بيتي فيُصلب لا ترى الجنة عين رأت عورته "
لم يكن آل محمد عليهم السلام وحدهم يعلمون بمصير زيد وما سيلاقيه وحسب، ولكن كان بعض أخوتهم وعمومتهم يعلمون ذلك أيضاً، وبالتأكيد بتعليم منهم ، فمثلاً: كان محمد بن الحنفية يعلم بذلك.
روى: (الحسين بن زيد بن علي عن ريطة بنت عبد الله بن محمد بن الحنفية عن أبيها قال: مر زيد بن علي بن الحسين على محمد بن الحنفية فرقَ له وأجلسه وقال: أعيذك بالله يا ابن أخي أن تكون زيداً المصلوب بالعراق ولا ينظر أحد إلى عورته. ولا ينظره إلا كان في أسفل درك من جهنم).
(عن عون بن عبيد الله، قال: كنت مع محمد بن علي بن الحنفية في فناء داره، فمر به زيد بن الحسين، فرفع طرفه إليه، ثم قال ليقتلن من ولد الحسين رجل يقال له زيد بن علي، وليصلبن بالعراق، ومن نظر إلى عورته فلم ينصره أكبه الله على وجهه في النار).
ثم إن إخبار الرسول وآله صلوات الله عليهم بما يجري على زيد وثنائهم عليه يكشف - بلاشك - عن رضاهم عنه وعن ثورته.
دوافع ثورة زيد وشرعيتها:
يعترف بعض المؤرخين بأنّ سبب قيام زيد بثورته مختلف فيه، قال الطبري: (ذكر الخبر عن سبب مقتله وأموره وسبب مخرجه: اختلف في سبب خروجه ...)
مع هذا، فقد ابتدأ الطبري (وغيره) بذكر سبب مالي أدى - بحسبه – إلى قيام زيد بن علي على بني أمية بالكوفة، خلاصته
إن خلافاً مالياً حصل بين زيد وبين خالد بن عبد الله القسري، حيث ادّعى خالد على زيد ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وداود بن علي بن عبد الله بن عباس وآخرين مالاً، فأخبر يوسف بن عمر الثقفي (عامل) هشام بن عبد الملك على العراق بذلك، فكتب يوسف إلى هشام يخبره، فبعث عليهم وعند حضورهم عنده سألهم عن ذلك فأنكروا فقرّر أن يبعث بهم إلى يوسف ليجمعهم بخالد، وكتب هشام إليه كتاباً، جاء فيه: "أما بعد ، فإذا قدم عليك زيد، وفلان وفلان فاجمع بينهم وبينه، فإن أقروا بما ادعى عليهم فسرح بهم إلي، وإن هم أنكروا فاسأله البينة، فإن لم يقمها فاستحلفهم بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما استودعهم وديعة، ولا له قبلهم شيء، ثم خل سبيلهم".
بعد وصولهم إلى يوسف سألهم عن المال فأنكروا ثم أخرج لهم خالد القسري وقال له: "هذا زيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي اللذان ادعيت قبلهما ما ادعيت قال: ما لي قبلهما قليل ولا كثير. قال له يوسف أفبي كنت تهزأ وبأمير المؤمنين (يقصد هشام بن عبد الملك)؟ فعذبه عذاباً ظن أنه قد قتله". ثم أخرجهم إلى المسجد واستحلفهم فحلفوا فخلّى سبيلهم وكتب إلى هشام بذلك. وبعد انتهاء هذه الحادثة لم يغادر زيد الكوفة، واجتمع إليه بعض الشيعة فيها وطلبوا منه أن يقبل بيعتهم ليقوم بهم على بني أمية، فحدثت الثورة.
هذا مجمل ما ذكره بعض المؤرخين عند تعرضهم لبيان الدافع في ثورة زيد
وبالرغم من وضوح براءة زيد من التهمة باعتراف خالد نفسه وتخلية سبيله، إلا أنّ
المسألة - ولا شك - لها أبعاد أخرى؛ إذ قضية وجود خلاف مالي بين طرفين لا يستدعي - بطبيعة الحال - تدخّل حاكم الشام بنفسه كما لا يخفى وإليكم ملخص الحكاية من البداية، وبإيجاز يوقفنا على الحقيقة.
كان خالد بن عبد الله القسري والياً على العراق من طرف هشام بن عبد الملك، وخالد هذا معروف عنه تعصبه لبني أمية وانحرافه عن الإمام علي وأبنائه عليهم السلام، فكان معتاداً على شتمهم على منبره لعنه الله. وأيضاً: كان مشهوراً بقسوته وإجرامه وفساده الأخلاقي والمالي حتى بلغ به الحال إلى اختلاس بيت المال وتعديه على أموال وضياع أميره هشام بن عبد الملك ، ولما فاحت جيفة فساده وبلغ طاغية الشام حاله قرر عزله بهدوء وولّى يوسف بن عمر الثقفي مكانه، وواضح أنّ قضية الاختلاس هذه كانت كبيرة وضخمة بحيث استدعت تدخل هشام بنفسه.
بالتأكيد سيتطلب الأمر تبادل رسائل بين هشام وعامله الجديد (يوسف بن عمر الثقفي) تتضمن سير التحقيق في فساد خالد الذي ألقى يوسف عليه القبض وقام بتعذيبه، ومما جاء في أحد كتب يوسف لهشام أنّ خالداً يدعي أنه أودع ستمائة ألف درهم من الأموال التي اختلسها عند زيد بن علي وآخرين، وإثر ذلك استقدم هشام زيداً إلى الشام وجرى بينهما نقاشاً حاداً و أقدم هشام زيد بن علي بن الحسين، فقال له: إن يوسف بن عمر الثقفي كتب يذكر أن خالد بن عبد الله القسري ذكر له أنّ عندك ستمائة ألف درهم وديعة، فقال: ما لخالد عندي شيء قال: فلابد من أن تشخص إلى يوسف ابن عمر حتى يجمع بينك وبين خالد. قال: لا توجّه بي إلى عبد ثقيف يتلاعب بي، فقال: لابد من إشخاصك إليه، فكلّمه زيد بكلام كثير، فقال له هشام: لقد بلغني أنك تؤهّل نفسك للخلافة، وأنت ابن أمة. قال: ويلك مكان أمي يضعني؟ والله لقد كان إسحاق ابن حرة وإسماعيل ابن أمة، فاختص الله عز وجل ولد إسماعيل، فجعل منهم العرب، فما زال ذلك ينمي حتى كان منهم رسول الله، ثم قال: اتق الله يا هشام فقال أو مثلك يأمرني بتقوى الله؟ فقال: نعم! إنه ليس أحد دون أن يأمر بها، ولا أحد فوق أن يسمعها. فأخرجه مع رسل من قبله، فلما خرج قال: والله إني لأعلم أنه ما أحب الحياة قط أحد إلا ذل. وكتب هشام إلى يوسف بن عمر: إذا قدم عليك زيد بن علي فاجمع بينه وبين خالد، ولا يقيمن قِبَلك ساعة واحدة، فإني رأيته رجلاً
حلو اللسان شديد البيان خليقاً بتمويه الكلام، وأهل العراق أسرع شيء إلى مثله.
فلما قدم زيد الكوفة دخل إلى يوسف فقال : لم أشخصتني من عند أمير المؤمنين؟ قال: ذكر خالد بن عبد الله أنّ له عندك ستمائة ألف درهم . قال : فأحضر خالداً! فأحضره وعليه حديد ثقيل، فقال له يوسف هذا زيد ابن علي، فاذكر ما لك عنده! فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما لي عنده قليل ولا كثير، ولا أردتم بإحضاره إلا ظلمه. فأقبل يوسف على زيد، وقال له: إن أمير المؤمنين أمرني أن أخرجك من الكوفة ساعة قدومك قال (زيد):
فأستريح ثلاثاً ثم أخرج قال: ما إلى ذلك سبيل. قال: فيومي هذا. قال: ولا ساعة واحدة. فأخرجه مع رسل من قبله، ،، ... فلما صار رسل يوسف بالعذيب انصرفوا، و انكفأ زيد راجعاً إلى الكوفة، فاجتمع إليه من بها من الشيعة ...) .
واضح جداً أنّ الخلاف كان بين حاكم أموي وعماله في موضوع سرقة أموال ضخمة ودنيا قذرة، لكن الزج باسم زيد في الموضوع كان لأجل غاية أوضحها هشام في نقاشه مع زيد لما قال له: "لقد بلغني أنك تؤهّل نفسك للخلافة"!
وللتوضيح أكثر ، أقول: لا شك أنّ سياسة الأمويين وولاتهم عموماً (ومنهم هشام بن عبد الملك وولاته كانت قائمة على عداء آل محمد عليهم السلام وسبهم والإساءة لهم والتضييق عليهم ومحاصرتهم بل وقتلهم ولم يقتصر الأمر على الامام الحسين عليه السلام فقط، بل لم يقف الحال عند الأئمة المعصومين من ولده أعني السجاد والباقر عليهما السلام اللذين قضيا بسم طغاة بني أمية، وإنما تعدى الأمر ليشمل أبنائهم وأخوتهم المعروف عنهم الوجاهة والقوة والشجاعة وعدم اللين أو الانخراط مع عموم الناس في توجههم ورضوخهم للحكم الأموي، كزيد الشهيد مثلاً.
زيد كان معروفاً عنه صلابته في الحق وبغضه لبني أمية و إنكاره لعموم النهج المخالف لآل محمد عليهم السلام، وهذه رواية تبيّن صلابته في الحق
(عن سدير، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام ومعي سلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحداد وسالم بن أبي حفصة، وكثير النواء، وجماعة معهم، وعند أبي جعفر عليه السلام أخوه زيد بن علي عليهم السلام فقالوا لأبي جعفر عليه السلام نتولّى علياً وحسناً وحسيناً ونتبرأ من أعداهم قال نعم قالوا نتولّى أبا بكر وعمر ونتبرأ من أعدائهم! قال: فالتفت إليهم زيد بن علي فقال لهم: أتتبرؤن من فاطمة بترتم أمرنا بتركم الله، فيومئذ سموا البترية).
وأيضاً: كانت لزيد مكانة كبيرة بين عموم الناس وقد تقدم اشتهاره بين أهل المدينة بتقواه وورعه وعبادته وعلمه وأيضاً لزيد مكانة خاصة عند أهل العراق (الشيعة بالخصوص) ، ولذا طلب هشام من عامله يوسف بن عمر أن لا يبقي زيداً ساعة في الكوفة ويأمره بالخروج منها فوراً!
بالتأكيد، انجذاب الناس لزيد أمر يقلق الطاغية الأموي هشام بن عبد الملك وواليه يوسف بن عمر، فعمدوا إلى أساليب خبيثة؛ الهدف منها الحط من مكانة زيد في النفوس، من قبيل الزج باسمه في مسألة الخلاف المالي المتقدم مع أنه لا دخل له بالموضوع أصلاً، وحتى خالد القسري "السارق" نفسه اعترف أنه لم يدّعِ عليه شيئاً وكان حشره في القضية وإحضاره ظلماً له، حيث قال: " والله الذي لا إله إلا هو ما لي عنده قليل ولا كثير، ولا أردتم بإحضاره إلا ظلمه"!
لم تكن محاولة هشام - لعنه الله - هذه للإساءة إلى زيد هي الوحيدة، بل قبل ذلك كان هناك سعي حثيث من قبل عامل هشام على المدينة خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم) لإحداث فجوة وخلاف بين زيد (ممثلاً لولد الحسين) وبين بعض ولد الحسن وتحديداً جعفر ابن الحسن المثنى، وبعد موته تولى أخوه عبد الله بن الحسن المثنى مخاصمة زيد في بعض أموال الوقف العائد للإمام علي عليه السلام:
وهذا حوار دار بين زيد وبين عبد الله بن الحسن المثنى بمحضر والي المدينة خالد بن عبد الملك بن الحارث ومع خالد (فلما مات جعفر نازعه عبد الله بن الحسن بن الحسن فتنازعا يوماً بين يدي . بن عبد الملك بن الحرث بالمدينة فأغلظ عبد الله لزيد وقال: يا ابن السندية، فضحك زيد وقال: قد كان إسماعيل لأمة. ذلك فقد صبرت بعد وفاة سيدها إذ لم يصبر غيرها، يعني: فاطمة ابنة الحسين أم عبد الله فإنها تزوجت بعد أبيه الحسن بن الحسن، ثم ندم زيد واستحيا من فاطمة وهي عمته فلم يدخل عليها زماناً فأرسلت إليه: يا ابن أخي إني لأعلم أن أمك عندك كأم عبد الله عنده وقالت لعبد الله: بئسما قلت لأم زيد أما والله لنعم دخيلة القوم كانت.
قال: فذكر أن خالداً قال لهما اغدوا علينا غداً فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما فباتت المدينة تغلي كالمرجل يقول قائل قال زيد كذا ويقول قائل قال عبد الله كذا. فلما كان الغد جلس خالد في المسجد واجتمع الناس فمن بين شامت ومهموم فدعا بهما خالد وهو يحب أن يتشامتا فذهب عبد الله يتكلم ، فقال زيد: لا تعجل يا أبا محمد أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبداً، ثم أقبل على خالد فقال: أجمعت ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر! فقال خالد: ما لهذا السفيه أحد! فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال: يا ابن أبي تراب وابن حسين السفيه أما ترى للوالي عليك حقاً ولا طاعة ؟ فقال زيد: اسكت أيها القحطاني فإنا لا نجيب مثلك، قال: ولم ترغب عني فوالله إني لخير منك و أبي خير من أبيك وأمي خير من أمك، فتضاحك زيد وقال: يا معشر قريش، هذا الدين قد ذهب فذهب الأحساب! فوالله ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم، فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال: كذبت والله أيها القحطاني فوالله لهو خير منك نفساً وأماً و أباً ومحتداً، وتناوله بكلام كثير وأخذ كفاً من حصباء وضرب بها الأرض ثم قال: إنه والله ما لنا على هذا من صبر).
لاحظ أن والي المدينة كان يحب أن يتشاتما"، وهذا يكشف غرض الأمويين الذي أشرت إليه أعني إذكاء الفتنة بين ولد الحسين وولد الحسن، وواضح أنّ الهدف من الإساءة إلى آل محمد وذرية الرسول صلى الله عليه وآله عموماً هو توهين قدرهم عند الناس لتبقى الساحة خالية لبني أمية، وكان أئمة أهل البيت عليہم السلام من ولد الحسين عليهم السلام ملتفتين لهذا المخطط الشيطاني تماماً وعازمين على إفشاله مهما بلغ الألم، لذلك استمروا بالنصح وصبروا كثيراً وتحمّلوا كل الأذى الذي سببه لهم أبناء عمومتهم من ولد الحسن كما سيتضح ذلك لاحقاً بالتفصيل.
زيد الشهيد أيضاً كان نبهاً وملتفتاً إلى مخطط الأمويين هذا، ولذا عاب على "والي المدينة" تدخله في خصومة عائلية، ووعد ابن عمه عبد الله أن لا يخاصمه أبداً!
أعود لتحديد الدافع الحقيقي لثورة زيد الشهيد، فأقول:
إن التحليل المنطقي للأحداث لا يقبل أن يكون دافع الثورة خلافاً مالياً بين زيد وبين وال أموي أو بين زيد وبين بعض بني عمومته ؛ إذ من غير المعقول أن يقود خلاف مالي تمت تسويته إلى ثورة على بني أمية في الكوفة تؤدي بالنتيجة إلى مقتل قائد الثورة وخيرة أصحابه ثم صلبه وحرق جسده الشريف.
السبب الحقيقي وراء ثورة زيد الشهيد هو اعتقاده بانحراف الأمويين وظلمهم وضرورة جهادهم والإطاحة بحكمهم الجائر وإعادة الحق إلى آل محمد علیهم السلام بوصفهم أوصياء الرسول وخلفائه الشرعيين والمرضيين عند الله، ولهذا كان شعاره: "الرضا من آل محمد" ودعوة الناس إلى ذلك.
قال الإمام الصادق : ... فإنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه ...).
بنو أمية الذين قتلوا الحسين صلوات الله عليه لا زالوا يحكمون، ولا زال دم الحسين معلق في رقابهم، فما قتل الحسين ليس شخص يزيد - لعنه الله . وحسب، ولكنه منهج شيطاني مستمر، بل لا زال علي وأبنائه الأوصياء يُشتمون ويُساء إليهم، وقبل قليل قرأنا إساءة أحدهم للحسين عليه السلام بمحضر والي هشام على المدينة، وبالتالي فمقومات الثورة ضد بني أمية كلها لا زالت كما هي. نعم، الله سبحانه لم يأذن لآل محمد الأوصياء بالثورة والقيام بعد الحسين؛ حفظاً على الدين الذي يذهب بذهابهم كما بينا وسيأتي مزيد من البيان له لاحقاً، لكن هذا لا يعني أنّ مبررات الثورة ضد بني أمية غير موجودة، وأنّ الجميع غير مأذون لهم بالثورة إن استأذنوا الإمام المعصوم وأذن لهم كما حصل مع المختار وسليمان بن صرد فيما سبق. ولذا ورد عن الإمام الباقر عليه السلام في وصف أخيه زيد: "الطالب بأوتارهم" أي بقتلاهم والمعتدى عليهم ، يعني بذلك: الحسين وأهل بيته في كربلاء!
(عن أبي الجارود زياد بن المنذر ، قال : إني لجالس عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام إذ أقبل زيد بن علي عليه السلام، فلما نظر إليه أبو جعفر عليه السلام وهو مقبل، قال: هذا سيد من أهل بيته، والطالب بأوتارهم، لقد أنجبت أم ولدتك يا زيد).
وأيضاً: الإمام الصادق عليه السلام أوضح أنّ زيداً خرج لأجل دعوة الناس إلى الرضا من آل محمد ولم يدعهم إلى نفسه ولا طمعاً بمنصب أو جاه دنيوي ونحو ذلك، كما أنه علیه السلام نہى شيعته عن التحرك بعد شهادة زيد عليه السلام، وأعلن لهم أنه لا يرضى بذلك، وربما قدّر بعلمه وحكمته - وهو الإمام المعصوم - أن لا فائدة من الخروج؛ إذ الاجتماع لا يحصل والثمرة لا تتحقق والأمر صائر إلى منتهاه الذي يعلمه، وبالتالي تذهب الدماء هدراً:
(عن عيص بن القاسم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له وانظروا لأنفسكم فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلا هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيئ بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية فعمل على ما قد استبان لها ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم ، إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون ولا تقولوا خرج زيد فإنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه فالخارج منا اليوم إلى أي شيء يدعوكم إلى الرضا من آل محمد عليهم
السلام فنحن نشهدكم إنا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد ...).
وأيضاً: الإمام الرضا عليه السلام بين أسباب نهوض زيد الشهيد بوجه بني أمية، وأن ثورته غضب الله وجهاد أعداء الله ، كما أنه دعا الناس إلى الرضا من آل محمد:
(ابن أبي عبدون عن أبيه قال: لما حمل زيد بن موسى بن جعفر إلى المأمون وقد كان خرج بالبصرة وأحرق دور ولد العباس وهب المأمون جرمه لأخيه علي بن موسى الرضا عليهما السلام وقال له : يا أبا الحسن لئن خرج أخوك وفعل ما فعل لقد خرج قبله زيد بن علي فقتل ولولا مكانك مني لقتلته فليس ما أتاه بصغير ، فقال الرضا عليه السلام: يا أمير المؤمنين لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن علي فإنه كان من علماء آل محمد غضب الله عزوجل فجاهد أعداءه حتى قُتل في سبيله ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر عليهما السلام أنه ع أباه جعفر بن محمد بن علي عليهم السلام يقول: رحم الله عمي زيداً إنه دعا إلى الرضا من آل محمد ولو ظفر لوفى بما دعا إليه ولقد استشارني في خروجه فقلت له: يا عم إن رضيت أن تكون المقتول المصلوب بالكناسة فشأنك فلما ولي قال جعفر بن محمد: ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه، فقال المأمون يا أبا الحسن أليس قد جاء فيمن ادعى الإمامة بغير حقها ما جاء؟ فقال الرضا عليه السلام: إنّ زيد بن علي لم يدع ما ليس له بحق وإنه كان اتقى الله . من ذلك إنه قال : أدعوكم إلى الرضا من آل محمد عليهم السلام وإنما جاء ما جاء فيمن يدعي أنّ الله تعالى نص عليه ثم يدعو إلى غيردين الله ويضل عن سبيله بغير علم.
وكان زيد والله ممن خوطب بهذه الآية: "وجاهدوا في الله حق جهاده هو أجتبيكم").
كلام الإمام الرضا صلوات الله عليه بحق عمّه زيد في غاية الأهمية، فهو لم يحدد سبب ثورته فقط، وإنما بيّن - أيضاً - شرعية ثورته بعد بيان أنّ زيداً استشار الإمام المعصوم (الصادق عليه السلام) في خروجه وثورته وأذن له الإمام، وبعد قوله بحقه: "ويل لمن سمع واعيته فلم يجبه"!
وهو نفس مؤدى قول أبيه الباقر عليه السلام الذي أوجب نصرة زيد:
(قال سدير الصيرفي : كنت عند أبي جعفر الباقر عليه السلام فدخل زيد بن علي فضرب أبو جعفر على كتفه وقال هذا سيد بني هاشم فإذا دعاكم فأجيبوه وإذا استنصركم فانصروه).
و أيضاً: زيد الشهيد نفسه أوضح سبب قيامه وثورته لأبي حمزة الثمالي، لما التقاه في الكوفة في دار معاوية بن إسحاق وسأله عن سبب قدومه الكوفة، فأجابه زيد: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالتأكيد فإنّ باطل وانحراف الأمويين وظلمهم هو رأس المنكر، كما أنّ إرجاع الحق لأهله آل محمد) هو رأس المعروف.
وهذا مقطع من رواية أبي حمزة التي أخبر فيها الإمام علي بن الحسين عليه السلام بمصير ولده زيد، إلى أن قال لأبي حمزة ) . . وسترى ما قلت لك.
قال أبو حمزة: فما لبثت إلا برهة حتى رأيت زيداً بالكوفة في دار معاوية بن إسحاق فسلمت عليه ثم قلت: جعلت فداك ما أقدمك هذا البلد ؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فكنت أختلف إليه فجئته ليلة النصف من شعبان فسلمت عليه وجلست عنده. فقال: يا أبا حمزة تقوم حتى تزور قبر أمير المؤمنين علي عليه السلام؟ قلت: نعم جعلت فداك. ثم ساق أبو حمزة الحديث حتى قال: أتينا الذكوات البيض فقال: هذا قبر علي بن أبي طالب عليه السلام ثم رجعنا فكان من أمره ما كان فوالله لقد رأيته مقتولاً مدفوناً منبوشاً مسلوباً مسحوباً مصلوباً بالكناسة ثم أحرق ودق وذري في الهواء).
فتلخص بما تقدم: أن دافع زيد عليه السلام الحقيقي في ثورته بوجه طغاة بـ بني هو طلب الرضا من آل محمد وإرجاع الحق لهم ودعوة الناس إليهم، وأن ثورته المباركة شرعية بعد أن استشار الإمام الصادق عليه السلام بخروجه وأذن له، وبالتالي فهي غير مشمولة بالنهي الوارد عن آل محمد عن الخروج قبل قيام القائم عليه السلام، ولا ينطبق عليها الوصف المذكور للرايات التي تخرج قبل قيامه:
قال الإمام الصادق عليه السلام: "خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة والسفياني والخسف وقتل النفس الزكية واليماني فقلت: جعلت فداك إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟ قال: لا "
قال الإمام الصادق عليه السلام: "كل" راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها
طاغوت يعبد من دون الله عز وجل"
ثورة زيد الشهيد غير مشمولة بهذا النهي وهذا الوصف؛ لأنها - كما قلت - مأذون بها من قبل الإمام المعصوم.
ملاحظة :
نحن بيّنا الدافع الحقيقي الذي قصده زيد بقيامه وثورته، وبالتأكيد فإنّ الظلم والجور الذي عانى منه المسلمون في تلك الحقبة من حكام وولاة بني أمية لو كان وحده لكان سبباً كافياً في منح المسلمين الحق للثورة بوجه الأمويين الطغاة المنحرفين، بحسب البعض - أيّد أبو حنيفة النعمان بن ثابت" ثورة زيد، وكان زيد دعاه لنصرته فتعذر وقال لرسوله : " ابسط عذري إليه" واكتفى بحث الناس على نصرته ومده بمعونة مالية :
ويروى أن أبا حنيفة قال - لما بلغه خروج زيد : ضاهى خروجه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، فقيل له: لم تخلفت عنه؟ قال: حبسني عنه ودائع الناس، عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل ، فخفت أن أموت مجهلاً)
(وكان أبو حنيفة رحمه الله يفتى سرّاً بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليهما وحمل المال إليه والخروج معه على اللص المتغلب المتسمّى بالإمام والخليفة)، يقصد هشام بن عبد الملك.

للدكتور الشيخ علاء السالم