السلام عليك يا بقية الله في أرضه
***


تحت عنوان الإسلام والسياسة والحكم.

السيد احمد الحسن : .... فقد مهّد رسول الله (ص) لولاية الإمام بقوله : ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟
قالوا: بلى
قال: من كنتُ مولاهُ فهذا عليُّ مولاهُ الخ ...
لكي يكون هذا التمّهيد قرينة قطعيّة على أنّه (ص) أراد معنى الأولى بالتصرّف من كلمة المَولى وأظهر أنّ ولاية الإمام (ع) فرع لولاية النبي (ص) ومرتبه منها.
ويؤيّده ما جاء في الأحاديث المستفيضـة من أنّ الإمـام (ع) حجّـة الله على الناس، وإنّ له (ع) سلطنة مُطلقة على الرعيّة من قِبل الله تعالى، وهذه الولاية أصلُ المَذهب ودعامته التي بُني عليها.
ومن فروع ولاية الإمام (ع) ولاية الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء المُلخّصة في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (ع) بهذه العبارة:

(وأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مُخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه) .
ولقد بيّن الإمام (ع) حقيقة مُخالفة الهوى في الحديث الذي رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج بإسناده عن الإمام الثامن الرضا (ع) أنه قال:
قال علي بن الحسين عليهما السلام: إذا رأيتم الرجل قد حَسُن سمته [١] وهدي وتماوت [٢] في منطقه وتخاضع في حركاته فرويداً لا يغرّنّكم
فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب المحارم منها [٣] لضعف بنيته ومهانته وجبن قلبه فنصب الدين فخّاً [٤] لها، فهو لا يزال يختل [٥] الناس بظاهره فإن تمكّن من حرام اقتحمه.
وإذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام فرويداً لا يغرّنّكم
فإنّ شهوات الخلق مختلفة فما أكثر من ينبو [٦] عن المال الحرام وإن كثر ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرّماً، فإذا وجدتموه يعفو عن ذلك لا يغرّنّكم
حتى تنظروا ما عقده [٧] عقله فما أكثر من ترك ذلك أجمع ثم لا يرجع إلى عقل متين فيكون ما يفسده بجهله أكثر ممّا يصلحه بعقله وجدّه، فإذا وجدتم عقله متيناً فرويداً لا يغرّنّكم
حتى تنظروا أمع هواه يكون على عقله؟ أو يكون مع عقله على هواه؟ ، وكيف محبّته للرئاسات الباطلة وزهده فيها فإنّ في الناس من خسر الدنيا والآخرة، يترك [٨] الدنيا للدنيا ، ويرى أنّ لذّة الرئاسة الباطلة أفضل من لذّة الأموال والنِعم المُباحة المحلّلة، فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة، حتى إذا قيل له :وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَاد [٩] ، وهو يخبط [خبط] [١٠] عشواء ، يقوده أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة، ويمدّه ربّه [١١] بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه، وهو يحلّ ما حرّم الله، ويحرّم ما أحلّ الله، لا يُبالي ما فاته من دنياه إذا سلمت له رئاسته [١٢] التي قد شقي من أجلها، فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذاباً مهيناً،
ولكنّ الرَّجُلَ كلَّ الرَّجُلِ، نِعْمَ الرجلُ، هو الذي جَعَلَ هواه تَبَعاً لأمرِ اللَّه، وقُواهُ مبذولةً في رضى اللَّه، يرى الذُّلَّ مع الحقِّ أقربَ إلى عِزِّ الأبدِ من العزِّ في الباطل، ويعلمُ أنّ قليلَ ما يحتملُهُ من ضرّائِها يؤدّي إلى دَوامِ النِّعَمِ في دارٍ لا تَبيدُ ولا تَنفَدُ، وأنّ كثيرَ ما يَلْحَقُهُ مِن سرّائِها إنِ اتّبعَ هواهُ يؤدّيه إلى عذابٍ لا انقطاعَ له ولا يزول؛ فذلكمُ الرَّجُلُ نِعْمَ الرجلُ ، فبه تَمَسَّكوا، وبسُنّتِهِ فاقتدوا إلى ربّكم. فبه فتوسّلوا؛ فإنّه لا تُرَدُّ له دعوةٌ، ولا تُخَيَّبُ له طَلِبَة... إلخ.

مقطتعة من كتابه التيه أو الطريق إلى الله.

الهوامش
١) : السمت: الطريق، وهيئة أهل الخير.
٢) : تماوت الرجل: إذا أظهر من نفسه التخافت والتضاعف من العبادة والزهد والصوم.
والمتماوت: الناسك المرائي.
٣) : فيها.
٤) : " فخاً " آلة يصاد بها " فجاً " والفج: الطريق الواسع.
٥) : " يحيل " ختله يختله: إذا خدعه وراوغه.
٦) : "ينبو" نبا عنه بصره: أي تجافى ولم ينظر إليه.
يَنْبُو طَبْعُهُ عَنِ الفَسَادِ: يَنْفِرُ مِنْهُ وَ لاَ يَقْبَلُهُ.
٧) : قال المجلسي (ره) " يحتمل أن تكون " ما " استفهامية، والعقدة اسماً بمعنى ما عقد عليه فيرجع إلى المعنى الأول، ويحتمل على الأخير أن يكون المراد ثبات عقله واستقراره وعدم تزلزله فيما يحكم به عقله.
٨) : يترك.
٩) : إشارة لقوله تعالى في سورة البقرة: ٢٠٦.
١٠) :" خبط" ويقال ذلك لمن يتصرف في الأمور على غير بصيرة.
يَخْبِطُ خَبْطَ عَشْوَاءَ : يَتَصَرَّفُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ بَصِيرَةٍ.
١١) : " يمدّ به " " يمد ربّه " بعض المصادر.
قال المجلسي (ره): " ويمدّه ربه أي يقويه، من مدّ الجيش وأمدّه إذا زاده وقوّاه، أي بعد أن طلب ما لا يقدر عليه من دعوى الإمامة، ورئاسة الخلق، وافتاء الناس فعجز عنها لنقصه وجهله استحق منع لطفه تعالى عنه، فصار ذلك سبباً لتماديه في طغيانه وضلاله ".
١٢) : الرئاسة.


المصدر : كتاب الاحتجاج : تفسير الإمام العسكري (ع) - المنسوب إلى الإمام العسكري (ع) - الصفحة ٥٣.