الاخلاق والحضارة
رفعت المحمد



إن الحضارة هي الشكل الأكثر أصالة وواقعية للمجتمع البشري، فهي نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وتتكون من عناصر أربعة هي: الموارد الاقتصادية، النظم السياسية، التقاليد الخلقية، العلوم والفنون(1).

إن المظاهر الحضارية لكل أمة هي نتائج ملائمة لمجموعة الأفكار والعقائد والتقاليد والعوامل النفسية المهيمنة عليها، وذلك لأن لكل حضارة من الحضارات الإنسانية أسس فكرية ونفسية، شكلت الدافع الرئيسي والقوة الموجهة والمحددة لنمط سيرها.

وقد سعى الفلاسفة بدورهم إلى وضع قوالب تصب فيها أخلاق الإنسان الفاضل على نحو ما تصوروه في ذلك الوقت، حيث كان ينظر إليه على أنه (مجموعة قوى ذات مطالب يناقض بعضها البعض، ويقوم بينها حرب شعواء لا تنتهي إلا بانتصار بعضها واستسلام البعض الآخر عنوة)، فقد كان الإنسان نفسه، كما ستقول الأديان فيما بعد، يتألف من جسد وروح، أما الجسد فهو الجانب المادي فيه، وأما الروح فهي الجانب المقدس، ومن هنا كانت المشكلة في أن يجعل الروح هي المسيطرة، وهي القائد، وأن يجعل العقل هو القاهر لكل نوازع الجسد.

أما إذا تساءلنا ما المقصود بسيادة العقل على النوازع الإنسانية؟ فالمقصود هو أن الأفراد والجماهير على السواء، يجعلون إرادتهم موجهة للخير المادي والروحي للكل وللأفراد الذين يتألف منهم الكل، أعني أن تكون أفعالهم أخلاقية، فالتقدم الأخلاقي إذن هو جوهر الحضارة حقاً، وليس له غير معنى واحد، أما التقدم المادي فهو أقل جوهرية، ويمكن أن يكون له أثر طيب أو سيء في تطور الحضارة، وهذا التصور الأخلاقي للحضارة سيبدو غريباً عند بعض الناس بوصفه عقلياً وعفى عليه الزمان، فالذي يتفق أكثر مع روح هذا العصر هو النظر إلى الحضارة على أنها مظهر طبيعي للحياة خلال التطور الإنساني، له تعقيداته المفيدة كل الإفادة.

تستهدف الأخلاق، بوجه عام، دراسة اتجاه الفاعلية البشرية للكشف عن المبادئ والقيم، التي تحدد السلوك وتدبره، فهي تتناول – مبدئياً – مسألة تنظيم الحياة تنظيماً عملياً، وتسعى إلى تبيان مغزى التجربة الإنسانية بالإضافة إلى كل فرد من الأفراد، فتعتبر الوجود الفردي - كل وجود - وجهة نظر معينة تمس الواقع في الواقع، وتبدو في حالة تأليف يشمل ظروفاً يطبعها الشخص الأخلاقي بطابعه، فتغدو الأخلاق، أخلاق المرء، تعبيراً عن ذاته من خلال جريان الحوادث، وتتعين رسالة الأخلاق في فهم الأشكال المختلفة التي تحقق هذا التعبير.

بيد أن الأخلاق تجنح إلى الحكم على أشكال السلوك الكثيرة المتفاوتة، فتحبذ موقفاً من المواقف وتستحسنه، وتذم موقفاً آخر وتستقبحه، تأمر وتنهى، تبيح وتمنع، فتحدد بوجه الإجمال أنماط السلوك تحديداً منهجياً واعياً.

أما لو تساءلنا كيف حدث أن فقدنا فكرة أن الأخلاق لها أهمية وقيمة حاسمة بوصفها جزءاً من الحضارة؟ يكون الجواب أن كل محاولات التحضر كانت حتى الآن عمليات تعمل فيها قوى التقدم في كل مرفق من مرافق الحياة؛ فتوالي الإنجازات الكبرى في الفن والمعمار والإدارة والاقتصاد والصناعة والتجارة كانت تدفعها قوة دافعة روحية أنتجت تصوراً أعلى للكون. وكل جزء أصاب مد الحضارة ظهر في النواحي المادية، كما ظهر في النواحي الأخلاقية والروحية، وفي الأولى أبكر منه في الثانية، ففي الحضارة اليونانية حدث توقف مبكر منذ زمن أرسطوطاليس، توقف في العلم والسياسة غير مفهوم، بينما لم تبلغ الحركة الأخلاقية تمامها إلا في القرون التالية، وذلك بما قامت به الفلسفة الرواقية من عمل عظيم في التربية، والرواقية ليست من وضع مفكر واحد، بل هي مذهب تكوّن مع الزمن ووضع أسسه زينون السبتي.

للمذهب آراء منطقية وما ورائية وطبيعية، ولكن الأخلاق هدفه الأسمى، وليس للموضوعات الأخرى من قيمة إلاّ بقدر ما تتعلق بالأخلاق


https://annabaa.org/nba64/akhlaqwahathra.htm