«لَيسَ المُجْتمَعُ حَقِيقةً مُغايِرةً للحَضَارةِ أَوْ مُتميِّزةً عَنْها، بَلْ إنَّ الحَضَارةَ وَجهٌ مِنْ أَوجُهِ المُجتمَعِ وصِفةٌ مِن صِفاتِه.»

يُعالِجُ الدُّكتور «فؤاد زكريا» فِي هَذَا الكِتابِ مَوْضُوعَ الحَضَارة، عَبْرَ عِدَّةِ أقْسَام: أفْرَدَ الأوَّلَ مِنْها للتَّعْريفِ بالحَضَارةِ وتَحْدِيدِ مَجَالِها، مِن خِلَالِ مُنَاقَشةٍ مُخْتصَرةٍ لِمعْنى الحَضَارةِ وخَصَائصِها، وتَتَبُّعٍ لِمَا سمَّاهُ «مَجْرَى الحَضَارة» الذِي يَقْصِدُ بهِ حَرَكةَ التَّطوُّرِ التِي تَمُرُّ بِها؛ مُسْتَعرِضًا آراءً ثَلاثَةً فِي هَذا التَّطوُّرِ هِي: التَّدَهورُ، والإقْفَالُ، والتَّقدُّم. أمَّا القِسْمُ الثَّاني فنَاقَشَ فِيهِ التَّطوُّراتِ التَّاريخيَّةَ التِي طَرَأتْ عَلَى الحَضَارةِ الحَدِيثَة، عَبْرَ العَصْرِ الصِّناعيِّ الحَديثِ والمُتَقدِّمِ والمُتَأخِّر. والقِسْمُ الأخِيرُ أَفْرَدَهُ لِمشَاكِلِ الإِنْسانِ في الحَضَارةِ الصِّناعِيَّة؛ مِثْل: مُشْكِلةِ الحُريَّة، والمَادِّيَّةِ، والرُّوحِيَّة.

رابط التحميل
https://www.hindawi.org/books/72595393/


مقطع من الكتاب
يحتل الاقتصاد الجانب الأكبر من اهتمام الإنسان في العصر الصناعي، وتلك حقيقة لا ينكرها أحد. وكل ما في الأمر أن بعض المفكرين قد استغلوها في حملتهم على هذا العصر؛ إذ إن الاقتصاد في رأيهم نشاط متعلق بالمادة، وبالتالي يكون العصر الصناعي ذاته عصر اهتمام بالمادة، لا يسمح بأي نوع من أنواع السمو الروحي أو المعنوي للإنسان.

والحق أنه لا سبيل إلى فهْم الاقتصاد على حقيقته إلا إذا أدركنا أنه عملية إنسانية كاملة لا عملية مادية خالصة. فالعقل البشري — كما أوضحنا من قبل — له الدور الأكبر في تشكيل الطبيعة خلال مراحل العمليات الاقتصادية، وبالتالي يكون الارتباط وثيقًا بين النشاط الاقتصادي وبين الجانب المعنوي للإنسان.

والحق أن الحياة الاقتصادية السليمة تضع لنفسها هدفًا، هو تحقيق المطالب الحيوية الضرورية للإنسان ثم تجاوزها، والسعي إلى ما هو أعمق منها، وتلك صفة يغفلها الكثير من الكُتَّاب أو يتجاهلونها عن عمد، فتكون نتيجة هذا الإغفال أو التجاهل إصدار أحكام باطلة تمامًا عن طبيعة الحياة الاقتصادية والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. ويمكننا أن نقول — رغم ما يبدو في قولنا هذا من غرابة، إن الهدف الحقيقي للاقتصاد السليم تجاوز الاقتصاد ذاته. فالإنسانية لم تجهد نفسها في الميدان الاقتصادي كل هذا الجهد إلا لكي تتغلب على مشاكله، ولم تهتم بالمادة إلا لكي تتمكن من السيطرة عليها، ولم تهتم بمشكلة العمل إلا لكي تصل إلى حلٍّ يخفف عن الإنسان عناء الإرهاق في العمل.

والذي لا شك فيه أن تحرير الإنسان من عبودية الإرهاق المتواصل والتفكير المستمر في مطالبه الضرورية هدف معنوي رفيع. وكل أنصار «الروحية» ذاتهم يؤكدون أن الصورة العليا للإنسان هي صورة ذلك الذي يستطيع أن ينمِّي مواهبه وقدراته الخاصة، ويجد لنفسه — بعد عناء العمل — من الفراغ ما يسمح له بممارسة هذا النشاط الرفيع. ونحن نسلِّم بذلك، ونضيف إليه هذه المقدمة الواضحة، وهي أن التفرُّغ لتحقيق القيم الإنسانية الرفيعة لا يمكن أن يُتوصَّل إليه إلا إذا لم تَعُد المشاكل اليومية والمطالب الحيوية الضرورية هي الموضوع الرئيسي لاهتمام الإنسان. ومن المحال أن ننتظر إنتاجًا فنيًّا أو فكريًّا رفيعًا، أو تحقيقًا للقيم الروحية السامية، من إنسان يقضي كل دقيقة من وقته باحثًا عن الخبز وحده. أما إذا توافرت هذه المطالب الضرورية، ووصل الإنسان إلى حدٍّ معين من الاكتفاء المادي، فعندئذٍ يمكنه أن يتفرغ لما هو معنوي ولما هو روحي.

ولكن هل وصل الإنسان بالفعل إلى هذا الحد من الاكتفاء؟ الحق أننا إذا شئنا أن نجيب عن هذا السؤال إجابة دقيقة، كان علينا أن نمتدَّ بأنظارنا إلى مختلف الشعوب والطبقات البشرية، وعندئذٍ ستصدمنا تلك الحقيقة الأليمة، ألا وهي أن الغالبية العظمى من الناس لم يتوافر لها ذلك الحد من الاكتفاء المادي الذي يمكِّنها من التفرُّغ لسائر المظاهر الإنسانية الرفيعة لحياتهم، وسنجد أن هذا الهدف لا زال بعيدًا عن التحقيق، وأن البشرية لا زالت في حاجة إلى جهد شاقٍّ ووقتٍ طويل قبل أن تصل إليه.

فماذا يكون موقفنا خلال ذلك الوقت الذي لم نصل فيه بعدُ إلى تحقيق الاكتفاء المادي الضروري للناس؟ لا شك أن المنطق السليم يقتضي منَّا أن نكرِّس كل جهودنا لتحقيق ذلك الهدف؛ أي أن نجعل للمشكلة الاقتصادية الدور الأول في تفكيرنا وفي اهتمامنا، حتى نصل إلى إخضاعها نهائيًّا لإرادتنا، وإلى تحرير الإنسان من عبودية المادة، ومن السعي طوال حياته وراء أدنى حد من المطالب الحيوية، وإغفال الأوجه المعنوية الرفيعة لحياته.

وفي وسعنا أن نلخِّص تسلسل الأفكار الذي يؤدي بنا في نهاية الأمر إلى تبرير الاهتمام بالحياة الاقتصادية ووضعنا إياها في المكانة الأولى بين سائر نواحي حياة الإنسان — في الفترة الحالية على الأقل — في النقاط الآتية:
(١)الحياة الإنسانية الرفيعة، تقتضي الاهتمام بالجانب المعنوي وبالقيم الروحية.
(٢)هذا الجانب المعنوي وهذه القيم الروحية لا يمكن أن تُمارَسَ إلا إذا ضمن الإنسان لنفسه اكتفاءً ماديًّا، ولم يَعُد البحث عن المطالب الضرورية للحياة هو الموضوع الوحيد لاهتمامه.
(٣)هذا الاكتفاء المادي، وتحقيق ضرورات الحياة، لم يتحقق للإنسان حتى اليوم، ولا زال بعيدًا عن التحقُّق، مع أنه — كما قلنا — هو الشرط الأساسي لقيام حياة معنوية رفيعة.
(٤)الاقتصاد هو النشاط البشري الذي يهتم بتوفير هذا الاكتفاء المادي للإنسان.
(٥)إذن فالاهتمام بالحياة الاقتصادية وتركيز نشاطنا عليها أمرٌ يحتمه سعينا إلى الارتفاع بالإنسان معنويًّا، بل هو الشرط الأساسي للسمو الروحي للإنسان.
وبعد هذا التحليل، يمكننا أن نصل إلى فهْمٍ صحيح لمشكلة علاقة النشاط المادي بالنشاط المعنوي في الإنسان؛ ذلك لأن الدعوة إلى الاهتمام بمعالجة المشكلات الاقتصادية والمادية للإنسان قبل غيرها من المشاكل، هذه الدعوة تتبدَّى لنا في ضوء التحليل السابق على أنها دعوة ذات هدف معنوي صرف؛ إذ هي ترمي إلى تخليص الإنسان من قبضة الاهتمام المفرط بضرورات الحياة اليومية، وهو الاهتمام الذي يقضي على كل احتمال لسمو الإنسان، أو سعيه إلى تحقيق أهدافه الروحية.

وإذا شئنا أن نعبِّر تعبيرًا أدق عن العلاقة الحقيقية بين ما هو معنوي أو روحي في الإنسان، لقلنا إن المجالين متداخلان تمامًا، ولا يمكن تصورهما منفصلين، بل إن أية محاولة لإيجاد فصلٍ قاطع بينهما تؤدي إلى تشويه طبيعتهما. فالخطوة الأولى نحو الروحية في الإنسان هي الاهتمام بالمشاكل المادية، وعلينا أن نؤمن بأن تحرُّر الإنسان من سيطرة القوى الطبيعية هو أول مظهر من مظاهر شخصيته الحرة، بينما يُعَدُّ خضوعه لهذه القوى الطبيعية شر أنواع العبودية، والوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا التحرُّر من سيطرة المادة عليه هو الاهتمام بالمادة ذاتها، ما دام إخضاع أي شيء لسيطرة الإنسان لا يتم إلا إذا عرف الإنسان أسرار ذلك الشيء. ومن جهة أخرى ففي ضوء التحليل السابق يتضح لنا أن مَن يدعو إلى الترفُّع والسمو عن المادة يهدف بدعوته هذه — عن قصد أو عن غير قصد — إلى أن يظل الإنسان خاضعًا للمادة، ويبقى إلى الأبد عبدًا لها، ما دام «ترفُّعه» المزعوم سيؤدي به إلى أن يظل جاهلًا بأسرارها.