المشكلة السومرية - كتاب ما قبل اللغة - تاليف عبد المنعم المحجوب
صفحة 64

يعتبر أصل السومريون مشكلة يكاد الباحثون يسقطونها تماما من اهتماماتهم بسبب انعدام الشواهد القاطعة وحجم الاختلافات بين الآراء التي تفترض حلا لها.

إلا أن هذه المشكلة بقدر ما تبدو سؤالا غير قابل للإجابة بقدر ما تبدو مشرعة أيضا أمام القراءات الجديدة خاصة في ظل توفر المزيد من الشواهد الرافدة لفرضية الأصل المحتمل.

يتساءل جورج رو: اهل بإمكاننا اقتفاء أثر السومريين إلى عصور أبعد في الماضي؟

(( إن معظم الآراء تجعل من الموطن الأصلي لهم مكانة ما في أواسط إيران، أو في شمال سوريا وفلسطين أو تجعل من هذه الأماكن نقطة عبور على اتجاهات الشرق والغرب والشمال الغربي لبلاد ما بين النهرين، بشواهد مادية يعود جلها إلى أساليب تصنيع الفخار ومقارنتها بما عثر عليه من فخاريات في المواقع السومرية، وهي شواهد متقارية بشكل كبير، لا يمكن معها الجزم بموطن واحد السومريين، إلى حد التشكك آخر الأمر فيما إذا كانت هذه الشواهد ذات جدوی فعلية في تقريب حل مشكلة المنشا، بل وفيما إذا كان الباحثون يواجهون مشكلة إن رو يضع حلا وسطا مفاده أن السومريين كانوا نتاج تمازج عد د من ، الأجناس التي توطنت المنطقة على مراحل مختلفة، مخلفة عناصر أمكن وصفهابالمحلية بعد مرور عصور هي الآن سحيقة في القدم، أي أن السومريين بذلك يكونون قد وجدوا في أرض العراق منذ البدء، أي منذ أن أصبح هذا الاقليم صالحا للاستيطان، إلا أنه لا يتوصل إلى هذه النتيجة إلا ليعيد التذكير بقول ه. فرانکفورت: إن المناقشة المسهبة لهذه المشكلة يمكن أن تتحول في النهاية إلى ملاحقة وهم لا وجود له مطلقاً))

على أننا نستفيد كثيرا من الحل الذي يضعه رو لأجل التأكيد على نفي المفهوم العرقي في استخدامنا لأسماء الشعوب (السومريون، الأكديون، ...) مدركين أن القدر الهائل من الحراك الثقافي والاجتماعي الذي عرفته المنطقة يجعل توصيف شعب محدد بمواصفات عرقية موضوعا خارج السؤال.
إنما يقتصر هذا الاستخدام على الإشارة إلى شعب يتحدث لغة بعينها، ومنها يأخذ اسمه، فيوصف بها، ولا توصف به.

وقد أشار رو إلى فشل كل المحاولات المبذولة لتحديد وتقييم العلاقات بين السومريين والساميين في كل الحقول عدا اللغة، وهو غالبية علماء الآشوريات، إلا أن هذه النتائج مؤسسة على الكثير من أوهام البحث العلمي وعلى رأسها التقسيم التوراتي للأجناس، ولا بعد الاسترسال في مناقشتها الآن إلا من قبيل استدعاء النماذج الكلاسيكية

وقد كان بإمكان الباحثين أن يركنوا إلى هذا الرأي نهائيا، إلا أن ذلك كان يؤكد الصلة القوية بين اللغة السومرية والمجموعة اللغوية الأفروآسيوية السامية(، لكن الأمر انتهى كما يبدو على العكس من ذلك تماما. فبقدر ما ظهر أن الحل اللغوي يمكن أن يحصر المشكلة السومرية ضمن حدود اضيق جغرافياء من الناحية النظرية على الأقل، اتضح أن المشكلة تزداد تعقدأ كلما ازداد التعويل على اللغة وحدها، من منطلق أن اللغة السومرية تبدو وكأنها وجدت بنفس الطريقة التي وجد بها السومريون أنفسهم: الظهور المفاجئ. والسبب في ذلك يعود، قبل كل شيء، كما هو سائد في جميع الكتابات التي تناولت هذا الموضوع، إلى تقودها وانقطاع صلتها باي من اللغات المعروفة الآن. ولا تبدو المراحل التي أمكن ردها إليها مفيدة في هذه الحالة إذ أنها تعبر أساسا عن مراحل تطور الكتابة المسمارية، لا اللغة السومرية.