مقتبس من كتاب فكرة العدالة - امارتيا سين - صفحة 49

ولم يقل لنا راولز كثيراً كيف سيكون اختيار مجموعة ما من المؤسسات على أساس من المبادئ المتنافسة للعدالة التي تتطلب تكوينات مؤسسية مختلفة للبنية الأساسية للمجتمع. كان في استطاعة راولز، بالطبع، حل تلك المشكلة بإسقاط المؤسسية المافوقية من عمله المبكر لأسيما(( نظرية العدالة )) وكان من شأن هذه الخطوة أن تشدني كثيرا.
لكني لا أستطيع الزعم للأسف أن هذا كان الاتجاة الذي يسير إليه راولز نفسه بلا ريب، وإن أثارت بعضّ أعماله المتأخرة هذه المسألة بقوة.

ثلاثة أطفال وفلوت: مثال توضيحي

تقع في صلب المسألة الخاصة بالحل المحايد الفريد للمجتمع العادل تمام إمكانية قيام أسباب متعددة ومتنافسة للعدالة، كلها تدعي الحياد ومع ذلك تختلف عن - وتتنافس مع بعضها البعض. دعني أوضح هذه المسألة بمثال يتعين عليك فيه أن تقرر من من الأطفال الثلاثة - آن وبوب وكارلا - أحق بالحصول على فلوت يتنازع عليه الثلاثة. تطالب آن بالفلوت على أساس أنها الوحيدة بين الأطفال الثلاثة التي تعرف كيف تعزف عليه ولا ينكر الطفلان الآخران ذلك)، وأنه سيكون من الإجحاف تماما منع الفلوت من الشخص الوحيد الذي يستطيع العزف عليه في الواقع. إن كان هذا كل ما تعرفه، فسترى حجة إعطاء الفلوت لأن قوية.


وفي سيناريو مختلف، يكون بوب هو الذي يجهر بالمطالبة بحقه في الحصول على الفلوت لأنه الفقير الوحيد بين الأطفال الثلاثة الذي ليس لديه ألعاب تخصه. وسوف يمنحه الفلوت شيئا يلهو به )ويقر الطفلان الآخران بأنهما أغنى منه ولديهما كثير من أسباب الرفاهية الجذابة. فإن استمع إلى بوب فحسب ولم تستمع إلى الطفلين الآخرين، رأيت حجة إعطائه الفلوت قوية. وفي سيناريو آخر بديل، تجهر کارلا بالمطالبة بالفلوت مشيرة إلى أنها صرفت شهور على صنعه بكدها واجتهادها )ويؤكد الطفلان الآخران ذلك، وتشتكي من أنها عندما انتهت من صنعه، عندها فقط، أتى الطفلان الآخران ليحاولا مصادرة الفلوت منها وتخليصها إياه. فإن كنت لم تسمع إلا لكارلا، فلربما ملت إلى إعطائها الفلوت اعترافا بحقها المعقول في الحصول على نتاج عملها. وإن أنت استمعت إلى الأطفال الثلاثة وعرفت اتجاهات تفكيرهم المختلفة ، حرت في أمرك لمن تعطي الفلوت منهم. قد يأخذ المنظرون ذوو الآراء المختلفة،

كالنفعيين Utilitarians

أو
القائلين بالمساواة في الحقوق الاقتصادية Economic egalitarians

أو

الأنصار الصرحاء ل لحرية الفردية no-nonsense، Libertarians

موقفا يقول بوجود حل عادل مباشر مائل أمامنا هنا، وأن لا صعوبة في إيجاده. لكن من شبه المؤكد أن كلا منهم سيرى الحلول المختلفة كل الاختلاف صحيحة كل الصحة.
الأرجح أن يحظى بوب الأفقر بدعم مباشر نوعا ما من القائل بالمساواة في الحقوق الاقتصادية إذا التزم هذا بتقليص الفجوات بين الناس فيما يملكون من وسائل اقتصادية. في المقابل، ستحظى کارلا، صانع الفلوت، بتعاطف مباشر من القائل بالحرية الفردية. أما النفعي الساعي للمتعة فقد يواجه أصعب تحد، لكنه سيميل دون شك إلى إعطاء وزن أكبر مما يعطيه الأولان لحقيقة أن متعة آن قد تكون أكبر لأنها الوحيدة التي تستطيع العزف على الفلوت )وهناك أيضا المثل الشائع (( من يحتفظ بالمثل يرغب عن مثيله)).

وبالرغم من ذلك، سيعترف النفعي أيضا بأن الحرمان النسبي لبوب يمكن أن يجعل الزيادة الطفيفة في سعادته نتيجة حصوله على الفلوت أكبر بهذا القدر. وقد لا يروق حق کارلا في التمتع بثمرة عملها مباشرة ل لنفعي، لكنه إن فكر بعمق سيجعله ذلك يلحظ إلى حد ما متطلبات حوافز العمل في خلق مجتمع يستدام فيه توليد الفائدة ويشجع عليه من خلال ترك الناس تحتفظ بنتاج عملها الخاص.( ولن يكون دعم القائل بالحرية الفردية إعطاء الفلوت لكارلا مشروطأ كما عند النفعي بعامل الحوافز، لأن القائل بالحرية الفردية سيلحظ مباشرة حق الفرد في الحصول على ما ينتج بنفسه. ويمكن أن توحد فكرة حق المرء في الحصول على ثمار عمله القائلين بالحرية الفردية، اليمينيين واليساريين الماركسيين معا، )بصرف النظر عن مقدار نفور كل منهما من الآخر


النقطة العامة هنا هي أنه ليس من السهل اعتبار المزاعم القائمة على السعي لإشباع رغبات البشر، أو القضاء على الفقر، أو حق المرء في التمتع بنتاج عمله هو بلا أساس. فلمختلف هذه الحلول حج ج جدية تستند إليها، ولا يسعنا القول، دون شيء من التعسف، أي هذه الحجج البديلة يجب أن تسود على الدوام. ( أود كذلك أن ألفت الانتباه هنا إلى الحقيقة الواضحة تماما أين تباين ما بين حجج الأطفال التبريرية ليس تباین حول ماهية الفائدة الفردية )اعتبر كل طفل الحصول على الفلوت شيئا مفيدا وحمل ذلك في الحجة التي ساق للمطالبة به)، بل حول المبادئ التي يجب أن تحكم توزيع الموارد عموما. وهي تدور حول كيفية عمل الترتيبات الاجتماعية وتحديد المؤسسات الاجتماعية التي يجب أن تختار، وبأي سبيل، وما سينبثق من هذه المؤسسات في الواقع من تشکلات اجتماعية فعلية. ليست ببساطة مسألة اختلاف المصالح الخاصة للأطفال الثلاثة )وهي مختلفة بالطبع(، بل أن الحجج الثلاثة كل منها تشير إلى نوع مختلف من التفكير المحايد غير الاعتباطي .