أمارتيا سِن .. البحث عن مجتمع ما بعد ” كورونا “

بقلم/ علي حسين

يقال دائما ان العلم اطاح بالفلسفة .. وقد اخبرنا ذات يوم ستيفن هوكنغ من أن الفلسفة ماتت ، لأنها لم تتمكن من مواكبة التطور في العلوم الحديثة. فالعلماء الآن وليس الفلاسفة حسب قول هوكنغ ، هم من يحملون المشاعل لاستكشاف ما هو مجهول في الكون:” فلم نعد نحتاج لتأملات الفلاسفة للإجابة عن أسئلة شائكة ، فلدينا الآن من القدرات النظرية الرياضية والمعدات التجريبية لمقاربة هذه الأسئلة المحيرة، ما يغنينا عن التأملات الفلسفية المحضة “، وقد اصبح الحديث عن الفلسفة في السنوات الاخيرة نوعا من الترف العقلي ، وغاب الفلاسفة الكبار ولم يعد يظهر الفيلسوف إلا نادرا ، فالجميع يعتقد ان الفلاسفة تليق بهم العزلة .. لكن حين فرضت العزلة الحقيقية نفسها على العالم بعد انتشار فايروس كورونا ، توجهت الانظار صوب المفكرين الكبار ، يسألهم العالم عن الحل ، ويبحث في اجاباتهم عن الطمانينة ، فكان ان ظهر يورغن هابرماس بسنواته التي تجاوزت العقد التاسع ، فيما لاحقت الاسئلة الفرنسي ادغار موران ، واصرت الصحف ان تنشر على صفحاتها الاولى مقالات لنعوم تشومسكي ، وفرنسيس فوكوياما ، وأمارتيا سن .. وتحول سولافوي جيجيك كعادته الى نجم مواقع التواصل الاجتماعي ، فيما واصل آلان دو بوتون الحديث عن عزاءات الفلسفة في زمن الاوبئة .

في كل الازمات والمحن يطرح هذا السؤال : أى الأنظمة أكثر كفاءة، الديمقراطية أو السلطوية، فى مواجهة الكوارث .. كان فيلسوف الاقتصاد أمارتيا سن قد اكد ان الحكومات فى الأنظمة السياسية المغلقة، التى لا توجد فيها وسائط اتصال حرة وأحزاب معارضة، تعانى من أجل الحصول على معلومات دقيقة فى التوقيت الضرورى وفى إيصال المعلومات العاجلة إلى الجمهور. يمكن أن تكون هذه الحكومات ضحايا لنفس دعاياتها لأن المؤسسات السياسية فى الأنظمة المعنية تمنح الحوافز للمسئولين المحليين حتى يتفادوا إبلاغ رؤسائهم المركزيين بالأنباء السيئة، ولينتظروا التعليمات هم قبل أن يتحركوا “

فيما اكد الالماني يورغن هابرماس أن مواجهة خطر بحجم ( فايروس كورونا ) ينبغي أن يحرّر كل طاقات التفكير ولا يحصرها في دائرة الخبراء.

وكان إدغار موران قد اصدر قبل سنوات كتابا بعنوان :” هل نسير إلى الهاوية ؟ ” اكد فيه ان التقدم العلمي مَكَّن من إنتاج الأسلحة النووية وأسلحة أخرى للدمار الشامل، كيماوية وبيولوجية، وأتاح لها الانتشار الواسع. وتسبب التقدم التقني والصناعي في مسلسل من التدهور في المحيط الحيوي. ويرى موران ان العولمة ولا تزال كذلك سبباً في خلق أزمات لا تفتأ في تناسل، وتسير في اتساع واستشراء حتى باتت تتهدد بالفوضى والسديم.

في بداية ازمة كورونا كنت أقول في نفسي، كيف سيواجه مفكر مثل أمارتيا سين تداعيات هذا الوباء ؟ ، ونعرف جيدا ان أمارتيا سن هو صاحب المقولة الشهيرة :” لا مجاعة في تاريخ العالم وقعت في ديمقراطيّة فاعلة على الإطلاق” لأن قادتها حسب رايه يكونون أكثر استجابةً لمطالب المواطنين، ولأن تحقيق النمو الاقتصادي لا يحدث إلا حين يسبقه إصلاح اجتماعي، مثل تحسين التعليم والصحة.

لكن وسط تفشّي فايروس “كورونا”، اصبحت نظرية ” أمارتيا سن ” على المحك ، وكان لابد ان تلاحقه الاسئلة ووسائل الاعلام بعد ان ضربت الكارثة البلدان الاكثر ديمقراطية مثل امريكا والمانيا وبريطانيا وايطاليا وفرنسا ، وتفوقت في اعداد الاصابات على الكثير من الانظمة الاستبدادية . ولم تكن أعداد الإصابات والوفيات وحدها هي المسيطرة اليوم في الدول الديموقراطيّة، بل كذلك مشاعر الخوف من المجهول .

يكتب أمارتيا سن: ” إن معالجة الكارثة الاجتماعية لا يشبه خوض حرب تعمل بشكل أفضل عندما يتمكن القائد من استخدام السلطة من أعلى إلى أسفل ليأمر الجميع بفعل ما يريده القائد – دون الحاجة إلى التشاور. في المقابل ، ما هو مطلوب للتعامل مع الكوارث الاجتماعية هو الحكم التشاركي ” .

ويستعير أمارتيا سن ما قالته إليزابيث ملكة بريطانيا وهي تلقي كلمتها عن الوباء ، كانت العبارة المثيرة بالنسبة له “سنلتقي مجدداً” ، حيث يقول عن هذه العبارة انها فكرة ملهمة وهي ما نحتاجه بالضبط. ويتساءل سن : لكن أي عالم يمكن أن نتوقعه بعد الوباء؟ هل سنكسب شيئاً من تجربة المقاومة المشتركة للأزمة؟ .

يرى أمارتيا سن ان العالم كان مليئًا بالمشاكل الخطيرة قبل فيروس كورونا ، كانت عدم المساواة متفشية في العديد من البلدان . في الولايات المتحدة ، أغنى دولة في العالم ، يفتقر ملايين الأشخاص إلى الخدمات الطبية ، فيما لقد أدى التقشف غير المحسوب إلى إضعاف قدرة الاتحاد الأوروبي على تقديم الدعم العام للضعفاء. في الوقت الذي كانت فيه السياسات المعادية للديمقراطية في ازدياد ، من البرازيل وبوليفيا إلى بولندا والمجر.

ويطرح امارتيا سن سؤالا جوهريا : هل من الممكن أن تساعد التجربة المشتركة للوباء في التخفيف من هذه المشاكل الموجودة من قبل؟ هل يمكن يمكن أن يظهر مجتمع أفضل بعد انتهاء ازمة كورونا ؟ ، هل يمكن أن يحدث شيء إيجابي بسبب هذه التجربة المؤلمة التي يمر بها العالم ؟

يرى سِن إن الدروس المستفادة من أزمة كورونا تعتمد بالتأكيد على كيفية التعامل معها ، وما هي المخاوف التي تظهر على السطح ؟ ، وهو يلاحظ

في سياسات مكافحة الوباء الحالي ، لم يكن الإنصاف أولوية ملحوظة بشكل خاص ، يكتب :” في الولايات المتحدة ، يموت الأمريكيون الأفارقة بفايروس كورونا بمعدل أعلى بكثير من البيض. في شيكاغو ، كانت أكثر من 70 في المائة من الوفيات الوبائية من الأمريكيين من أصل أفريقي الذين يشكلون فقط ثلث السكان المقيمين. يبدو أن الفوارق الداخلية في المعاناة لم تكن أقل في العديد من البلدان الأخرى ، من البرازيل والمجر إلى الهند ” .

ويجد سِن ان الهند حالة ملفتة للنظر بشكل خاص حيث لا يزال عدم المساواة كبيرا للغاية ، والتباين بين المرافق الطبية المعقولة للأغنياء ، وغياب الرعاية الصحية اللائقة لمعظم الفقراء ، والتي تسببت بتفاوتات طبقية وحشية ، ويعتقد سٍن ان الهند كنموذج كان يمكن لها ان تستفيد كثيرا من هذه الازمة بان تعمل على تقليل المساواة ، لكنها بدلا من ذلك كان التركيز على السيطرة الصارمة والإغلاق المفاجئ مع إيلاء القليل من الاهتمام للعمال الذين يفقدون وظائفهم أو العديد من العمال المهاجرين ، أفقر الفقراء ، الذين يُبعدون مئات الأميال عن منازلهم .

امارتيا سن وجد أن التباعد الاجتماعي يقيد انتشار الفيروس ومثل هذه الفائدة المهمة ليست محل نزاع كما يقول . ولكن في المقابل يجب أن يقترن التباعد الاجتماعي بترتيبات تعويضية – للدخل والغذاء والوصول والرعاية الطبية – للأشخاص الذين دمرهم الإغلاق.

أمارتيا سن يخبرنا اننا عندما نلتقي مرة أخرى بعد انتهاء الوباء ، علينا مواجهة هذا العالم غير المتكافئ الذي نعيش فيه :” إن القلق بشأن الإنصاف في إدارة الأزمات من شأنه أن يقلل المعاناة في العديد من البلدان الآن ، ويقدم أفكارًا جديدة تلهمنا لبناء عالم أقل تفاوتًا في المستقبل. بما أننا أقل من نصف الطريق إلى الأزمة ، هل نجرؤ على أن يستمر هذا الأمر؟ “

الفيلسوف الهندي الذي تشغله موضوعة العدالة وكانت المبحث المهم في كل كتبه ، يرى اننا لكي نتعامل مع المجاعات والكوارث البيئية، ونقص الرعاية الطبية، وموت ملايين الأطفال في العالم، والتلوّث البيئي، فإننا لا نحتاج إلى نظرية فلسفية مثالية للعدالة. ما نحتاجه من منظور سن، هو الانخراط في تفكير موضوعي، في الخيارات الأكثر عدالة للجميع. بمعنى أن الدور الجوهري لفهمنا للعدالة، يتحقق، عمليا، في القيام بعمليات مقارنة موضوعية عمومية، نصل من خلالها، للخطط والقوانين والسياسات الممكنة والأكثر عدالة للجميع.

تممتد علاقتي مع كتب امارتيا سن الى سنوات حيث قرات عددا من كتب هذا التنويري ، ابرزها كتابه الذي صدر عن سلسلة عالم المعرفة ” ” التنمية حرية ” بترجمه شوقي جلال واعادت الهيئة المصرية للكتاب نشره ثانية .

كان ذلك الكتاب اول لقاء معرفي لي مع هذا الكاتب الذي حصل على جائزة نوبل للاقتصاد عام 1998 لعمله المتميز في ” اقتصاد الرفاه ” وهو فرع من فروع علم الاقتصاد يهتم بالجمع بين الرفاه الاقتصادي والقيم الأخلاقية والإنسانية . في ” التنمية حرية ” يطرح سِن عددا من الأفكار ابرزها تاكيده على ان ممارسة الحريات المدنية والسياسية يجب ان تكون جزءا من الحياة الاجتماعية للشعوب ، لانها في النهاية تؤدي الى الرفاهية الأجتماعية ، القضية المهمة الثانية التي يتناولها هي دور الديمقراطية في دعم متطلبات الاقتصاد والتنمية ، فهو يؤمن ان فكرة الحاجات الاقتصادية ستعطي للناس فرصة للتعارف والتعاون وتبدل الاراء والمنافع .

الكتاب الثاني الذي حصلت عليه بعد مدة من الزمن هو كتاب ” الهوية والعنف ” الذي صدر ايضا عن منشورات عالم المعرفة الكويتية ، وفيه يضع ” سن ” اصبعه على الجرح الذي لانزال في العراق نعاني منه ، واعني به ” الطائفية ” .. ففي الكتاب يؤكد ” ان :” علينا أن نضع في أذهاننا أنّه ليس قدرا محتوما على أي منا و لا على شعب بعينه أن يكون أسير هويّة واحدة .و أنّه ليس من حق أيّة جهة سياسية أن تسطو على مصير شعب ما و أن يختزله في هويّة واحدة “. ويصر على ان كل منا ” يمتلك انتماءات متمايزة كثيرة و انّ بامكاننا أن نتفاعل بعضنا مع بعض بطرق مختلفة كثيرة بغضّ النظر عمّ يقوله لنا المحرّضون ” . هذا الكتاب أنصح كل من يهتم بالشان الثقافي والمعرفي في العراق ان يطلع عليه ليعرف كيف : ” يمكن لهويّة ما أن تقتل ..و أن يكون قتلها ذريعا ” وان اختزال المجتمع في هويّة واحدة ، قد يؤدي الى الكثير من المجازر الدموية ، مثلما حصل في العراق خلال السنوات الماضية .

الكتاب الثالث الذي اسعدني حظي للطلاع عليه لهذا الفيلسوف ، هو كتاب ” فكرة العدالة ” والذي يناقش فيه فكرة العدالة من خلال منظور اقتصادي وفلسفي ، ولعل هذا الكتاب لايزال يجد صداه الواسع في معظم المؤتمرات حول العدالة الاجتماعية و الفقر والتنمية ، فيه يرى ” سِن ” ان العالم لكي يتعامل مع المجاعات والكوارث البيئية، وموت الملايين بسبب الامراض والجوع ، والتلوّث البيئي، فإنه لا يحتاج إلى نظرية فلسفية مثالية للعدالة. ما يحتاجه هو الانخراط في وضع الخطط والقوانين والسياسات الأكثر عدالة للجميع. بعدها قرات له ” العقلانية والحرية ” والذي يبحث فيه عن الأفكار المتّصلة بمفهومي العقلانية والحرية وتبعاتهما على الأفراد والاختيار الاجتماعي، ولا انسى روعة كتابة السلام والمجتمع الديمقراطي ، حيث يؤمن سن بان الحرية والديمقراطية تعني بالنسبة للانسان الحياة والقدرة على البقاء بدلاً من الوقوع ضحية الموت المبكر، وفي معظم كتاباته يؤكد سن ان ثمة حريات أخرى تعادلها أهمية الحرية السياسية ، مثل نوعية الحياة، والمساواة..ولهذا نجده يطالب بضرورة أن ينصبّ الاهتمام على الحقوق الاقتصادية باعتبارها ثيقة الصلة بالاحتياجات الأساسية المهمة للانسان

امارتيا سن المولود في دكا عاصمة بنغلادش عام 1933 يكتب في سيرة حياته ، انه ولد وعاش طوال حياته داخل حرم جامعي ، فالاب استاذ للكيمياء بجامعة دكا ، ، والام استاذة جامعية ووالدها احد المقربين من رابيندرانات طاغور. وجده كان يشغل منصب نائب رئيس جامعة دلهي ، تنوعت اهتمام امارتيا الشاب ، حيث درس اللغة والرياضيات والفيزياء ، قبل أن يسحره الاقتصاد، يؤمن بما قاله رابندرات طاغور من ان :” كل ما نفهمه ونستمتع به في الثقافات البشرية يصبح على الفور ، أينما كانوا يعيشون … هي لي. “

اهتم بدراسة الفلسفة لانه يؤمن ان الاقتصاد يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتخصصات الفلسفية مثل المنطق الرياضي وفلسفة الاخلاق ، و وكذلك دراسة مفهوم المساواة والحرمان .

يكتب امارتيا سن أن :” العدالة كقيمة لا يمكن أن نصل إليها بالشكل الأفضل إلا بتغيير الظروف وأن تكون لدينا القدرة على حرية الاختيار حتى تظهر إمكاناتنا وقدراتنا. وهذا هو جوهر التنمية الحقيقية في أي مجتمع، فالدور التنموي للدولة مهم وجوهري للأماكن الفقيرة، فيما تظل فكرة خصخصة التعليم والصحة ضد مبدأ العدالة نعم، قد يتم بيع الخدمات إلى الفئات التي تستطيع أن تدفع ولكن حرمان الفقراء من حقوق أساسية كالتعليم والصحة وغيرهما، هو ضد التنمية والإنسانية ومبدأ فكرة العدالة ” .

خلال العقود الماضية فقد الفلاسفة الاتصال بمفكري الماضي العظماء ، لكن أمارتيا سِن وخصوصا في كتابه ” فكرة العدالة ” يرى ان الفلسفة الحديثة لا بد لها ان تمر على أرسطو، وهوبز، ولوك، وروسو، وهيوم وقبلهم على المعلم كانط ، فالفلسفة يجب أن تهتم بالأسئلة الصعبة و العميقة حول الطريقة التي يجب أن نعيش بها في هذا العالم المضطرب . ونجد سِن يهدي كتابه ” فكرة العدالة ” الى الفيلسوف الاميركي جون رولز صاحب الكتاب الشهير ” نظرية في العدالة ” باعتباره ملها له كفيلسوف وكزميل عمل في جامعة هارفارد – توفي رولزعام 2002 – وكان رولز يؤمن ان على الفلسفة أن تغير الكيفية التي نعيش بها، و ليس فقط كيفية مناقشة طريقة حياتنا . يكتب أمارتيا سِن بعد رحيل جون رولز :” أنا أبدأ من موقف عام كان رولز قد اتخذه، وهو أن تفسير العدالة مربوط بالجدل العمومي. التركيز كما يقول رولز نفسه، يجب أن يكون على الإطار العام للأفكار، الذي يوفّر أحكاما اتفاقية بين الفاعلين العقلاء “