الإخفاقات الفكرية لنظرية الخيار الاجتماعي

الملحق الثقافي:حاتم حميد محسن :

واجه الليبراليون الأمريكيون والديمقراطيون الاجتماعيون الأوروبيون مهمة شاقة في البحث عن طريقة لصنع قرار جماعي من أجل حل المشاكل الاجتماعية بأسلوب عقلاني. لكن ما هو مرغوب كان عكس ذلك تماماً: كلما كانت القرارات الجماعية التي يتخذها الأفراد قليلة، كان ذلك هو الأفضل. إن الصيغة المعاصرة لهذه العقلانية اللامحدودة، التي لا تخشى من تحويل كل شيء إلى سياسات تحت شعار الجماهيرية المدنية، تسمى «نظرية الخيار الاجتماعي»(1)، التي ترتبط بكل من كينيث آرو Kenneth Arrow وأمارتيا سين Amartya Sen الحائز كل منهما على جائزة نوبل. سنتوصل في هذا المقال إلى أن «الخيار الاجتماعي» هو في أفضل حالاته غير مثمر، وهو خطير في أسوأ الأحوال.


اقتصاد الرفاهية القديم

لـ «الخيار الاجتماعي» جذوره في الفلسفة النفعية وفي اقتصاد الرفاهية. جيريمي بنثام وجيمس مل وجون ستيوارت مل حاولوا تعريف الرفاهية العامة كمجموع للمتعة الخالصة أو المنفعة الفردية في المجتمع، وذلك وفق اثنين من الافتراضات: أن كل فرد يُحسب كشخص واحد، وأنه من الممكن مقارنة منفعة فرد واحد مع منفعة أي فرد آخر. أن إصرار جون ستيوارت مل (1861) بوجود متع عالية ومتع متدنية بقوله «إن سقراط غير راض، هو أفضل من خنزير راض»(2) – كان خطوة في الاتجاه بعيداً عن مقارنة بنثام الاجتماعية، وهو ما قاد مل إلى الاستنتاج ضمناً بأن الناس مختلفون جداً لدرجة يصعب إضافتهم إلى بعضهم. وعلى الرغم من شكوك مل، لكنه هو ذاته والاقتصاديون اللاحقون أصرّوا في بحثهم عن طرق لتجميع المنافع لصياغة الناس علمياً. لذا هم بحثوا عن معيار جديد للرفاهية العامة يتجنب المقارنات الاجتماعية التي وجد مل من الصعب جداً قبولها أو اعتبارها عادية.

وهكذا، في نهاية القرن التاسع عشر، اقترح باريتو(3) معياراً للرفاهية لا يحتاج فيه كل فرد لحساب منفعته الذاتية، ويسمح لـ «سلطة خارجية» لمقارنة وتجميع منافع الأفراد المقاسة. معيار باريتو كان مرتكزاً على تصنيف الأفراد لأفضلياتهم بشكل ترتيبي، وهذه المواقف الاجتماعية المقبولة بلا معارضة يمكن النظر إليها باعتبارها مرتكزة على أحكام قيمية مقبولة من الجميع. إن الإجماع الذي عرضه باريتو كان في أدنى حد وهو يصلح مهما كان عدد غير المصوتين. تحسّن باريتو يحدث عندما يصبح فرد واحد على الأقل في موقف أفضل دون حدوث أي ظروف سيئة للآخرين. وعليه، فإن معيار باريتو هو غير تام. إنه لا يحاول تنظيم جميع المواقف الاجتماعية الممكنة والتغيرات في السياسة، لأنه لا يذكر شيئاً حول التغيرات حين يحصل تحسّن لدى البعض بينما يخسر الآخرون. أيضاً، إنه يضع جانباً اعتبارات التوزيع، لأن تحسّن باريتو يتم تفضيله حتى عندما يكون الفرد الذي تحسنت ظروفه بليونيراً وموقف جميع الآخرين لم يتغير. مازلنا نرى هناك مجموعة كبيرة من المواقف المقبولة باريتوياً، حيث جميع التجارة في السوق الحر تجعل طرفي التبادل في وضع أفضل بينما الآخرون يبقون كما هم.

وهناك خط آخر مختلف للدفاع عن حساب الرفاهية عرضه آرثر بيغو. فحص مل بعناية الاستثناءات لقاعدة عدم التدخل الحكومي في كتابه مبادئ الاقتصاد السياسي (1848) حين تحتاج عيوب السوق إلى التصحيح. وسّع بيغو قائمة مل للتدخلات الحكومية المرخصة في كتاب اقتصاديات الرفاهية عام 1920. بدأ بيغو من النموذج المثالي للسوق التام ثم أدرج الانحرافات الواقعية عن الوضع التام، واقترح أخيراً ضرائب وإعانات لتصحيحها. احتوت كل طبعة من ذلك الكتاب قائمة طويلة من مظاهر فشل السوق ومسؤوليات واسعة للمنظمين العموميين. هكذا، بدت تحليلات بيغو وباستمرار وقتية تفتقد للتخطيط لتشكل مجموعة من الأعذار لتدخّل الدولة بدلاً من أن تكون نظرية للسياسة العامة. بعد ذلك نأتي إلى النقد المدمر لـ لونيل روبنس الذي أصدر منعاً لمقارنة المنافع بين الأفراد من أجل حساب الرفاهية الاجتماعية. وكما أشار (1932-35)، بأن المقارنات الاجتماعية التامة للسعادة هي مستحيلة. هذا يأتي لسببين:

1- إنه من المستحيل قياس المنفعة لكل فرد طالما أن الرقم الدال على الكمية سوف لن يبقى ثابتاً للوحدات المختارة.

2- إن مقارنة حالات السعادة المتصورة ذاتياً بين الأفراد هي أيضاً مستحيلة نظراً للاختلافات في المشاعر والأحاسيس.


اقتصاد الرفاهية الجديد


الرفاهية القديمة للاقتصاد، خاصة في شكلها النفعي، اُعلن بأنها غير كافية. حتى برنامج بيغو في «عيوب السوق» اعتُبر فاقداً للأساس المنهجي. لذا فإن اقتصاد الرفاهية جرت صياغته بدعم من معيار باريتو. نقطة البداية كانت مرة أخرى مثالاً للسوق التام وأن اقتصاد رفاهية جديد صيغ ويتلخص بفرضيتين:


1- أي توازن تنافسي هو نموذج باريتو المثالي.

2- أي خطة مثالية للإنتاج يتم اختيارها من قبل المخطط يمكن إنجازها عبر عمليات السوق التنافسي.
هاتان الفرضيتان تبدوان ذات الشيء، لكنهما ليستا كذلك. إنهما تضعان الإطار لنظرية «علمية» للسياسة العامة للخمسين سنة القادمة، وبهذا:

1- طالما أن الأسواق الرأسمالية الحقيقية لم تكن أبداً تنافسية ولا هي في توازن، فهناك حاجة مستمرة لسياسة تدخّلية لتحقيق اقتصاد باريتو المثالي.

2- المجتمع العادل يمكن خلقه بخطة معرّفة سياسياًً، وهذه الخطة يمكن وضعها قيد التطبيق بإحالة تنفيذها للسوق التنافسي.


الفرضية الأولى جرى تفسيرها لتعني أن الاقتصاد الاشتراكي المخطط جيداً قد يقترب من مثالية باريتو أكثر مما يقوم به السوق الرأسمالي. الفرضية الثانية يُنظر إليها لتشير إلى إمكانية تقسيم العمل بين المخطط والسوق لخلق جماعة اشتراكية مثالية. هاتان الفرضيتان لاقتصاد الرفاهية الجديد جرى عرضهما أول مرة من جانب إنريكو بارون عام 1908 وجرى إثباتهما تحليلياً من قبل أوسكار لانك عام 1942. عنوان مقالة بارون كان ينبئ بمناخ من الشر للأجيال اللاحقة التي عرفت الفاشية والشيوعية. أراد بارون أن يبين أن الحكومة الجماعية يمكنها:


1- قيادة المجتمع للمثالية في الإنتاج.

2-إعادة توزيع ما استهلكه الرأسماليون أنفسهم في «نظام فردي» بعد إعادة استثمار الجزء الأكبر من الربح. المخطط سيكسب من خلال 1- اكتشاف معظم الوصفات الاقتصادية التركيبية للعناصر عبر التجربة والخطأ بوسائل تغيير الأسعار 2- سيعيد المخطط توزيع الفائض طبقاً لأفضليات المساواة بين الناس.
باختصار، الاقتصاد المخطط سيعمل بالضبط كاقتصاد السوق الفردي التام حيث تكاليف الإنتاج في أدنى حد ممكن، وهي مساوية للسعر، وأن السمتين الاشتراكيتين لهذا الاقتصاد هما فقط الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والتوزيع العادل للفائض الذي كان الرأسماليون يستهلكونه في السابق.




بالطبع، وكما أشار لودوج فون مايس وفريدريك هايك، أن الاقتصاد الاشتراكي لبارون اعتمد على عدد من الافتراضات الصامتة عن مدى المعلومات التي يحيط بها المخطط.

ا- المخططون سيعرفون التأثير الكامل لأي تغيير في الأسعار على التشكيلات الحالية للعناصر الحقيقية والممكنة، يسمح لهم بوضعها واختيارها أو تعديلها بما يتلاءم مع الخطة.

ب- سيعرف المخططون ما يريد الأفراد استهلاكه من السلع، فيغيرون طبقاً لذلك أسعارهم لتجنب النقص أو الفائض.

ج- المخططون سيضبطون أيضاً نسبة الفائدة على التوفير، لكي يضمنوا الاستثمار لغرض النمو.

د- الناس سيعرفون ويقبلون ولو بتحفظ بتوزيع الفائض المقرر من قبل الدولة. إن استحالة جمع هكذا معلومات، جعل مقترحات بارون غير مجدية كما بالنسبة إلى لانك.

لانك، المعجب بستالين، طبّق هذه الفرضيات لصياغة نسخته الخاصة بـ «اشتراكية السوق». في الاقتصاد المخطط، يمكن للحكومة الشيوعية تحديد أهداف الخطة الخمسية (بما فيها الأهداف الاجتماعية) ومن ثم تلعب بالأسعار في سوق تنافسي مصطنع لكي تساوي المعروض من السلع التامة الصنع مع الطلب عليها: المخطط سيسأل المنتجين عن مقدار الكمية التي يجهزونها في ضوء جداول الأسعار، ويسأل المستهلكين كم سيدفعون لمختلف الكميات المعروضة. وبعد سلسلة طويلة من الصعود والنزول سيصلون إلى نقطة التوازن التي يكون فيها السوق فارغاً.
إن مايس وهايك (1920، 1935) بيّنا الاستحالة النظرية لهذا الجدال لسببين: الأول أن جمع المعلومات الضرورية حول ملايين الأسعار وتغيّراتها في اقتصاد السوق هو غير عملي، والثاني أن المنتجين والمستهلكين ستكون لهم في كل الأحوال مصلحة بعدم كشف أفضلياتهم للمخطط. في محاضرة لأوسكار لانك في مدرسة لندن للاقتصاد قبل شهور قليلة من وفاته عام 1965 أعلن أن الكومبيوتر سيتولى عمل حسابات اشتراكية السوق ويجعلها ممكنة، غير أن انهيار «الاشتراكية الواقعية» عام 1989 أكّد صوابية آراء النقاد.



الخيار الاجتماعي

شعر المدافعون عن الخيار الجمعي بالحاجة إلى طريقة في صياغة وتقييم السياسات العامة طبقاً لميثدولوجية فردية وليس كتوجّه من المخطط الخارجي. هذا المسار الجديد جرى إطلاقه من جانب أبرام برجسون عام 1938 وبول ساملسون عام 1947 اللذين عرّفا الهيكل العام لطرق تنظيم المجتمع عقلانياً بوسائل مقبولة منهجياً في تحويل الأفضليات الفردية إلى أفضليات اجتماعية. هذه التحولات تُعرف عادة بدالة الرفاهية الاجتماعية SWF. التحول من الفردي إلى الاجتماعي يجب أن يحقق شرطين: 1- أن دالة الرفاهية الاجتماعية ترتبط بشكل صارم برفاهية الأفراد، ذلك لأنه عندما يتحسن موقف الأفراد فإن تحسناً مماثلاً يحصل في دالة الرفاهية الاجتماعية.

2- إن أي من هذه الدالات للرفاهية الاجتماعية ترتّب وبشكل دائم جميع الحالات الاجتماعية الناتجة من الأسوأ إلى الأفضل. ضمن هذه الحدود الواسعة سيكون الفلاسفة قادرين على الحكم بين دالات الرفاهية المقترحة والتي بموجبها يتم أفضل تراكم للحاجات الأخلاقية للفرد، وبهذا يُحكم على العدالة في اقتصاد السوق.
فريق الرفاهية تلقّى هجوماً قاسياً من أشهر قادته - كينيث آرو عام 1952 في «فرضية آرو بالاستحالة» Arrow impossibility theorem. هذه الفرضية أثبتت عدم وجود دالة رفاهية اجتماعية تستطيع إنجاز الشروط الأربعة التالية:

وهي
1- أنها تنطبق على جميع الخيارات الممكنة
2- أنها تنال اتفاقاً تاماً
3- يتم اختيارها وفقاً لخصوصيتها وليس لما يقال عنها
4- ألا تُفرض من جانب شخص واحد على بقية الناس.


الاستنتاج كان مدمراً: أثبت آرو بأنه من المستحيل للمجتمع أن يتفق على ترتيبات الرفاهية حتى عندما يفضّلها أفراد ذلك المجتمع بالإجماع. وكما يشير إلى ذلك أندريه ماس كوليل عام 1974: بأن الجماعة الاجتماعية التي تحاول تطبيق دالة الرفاهية الاجتماعية، ستجد في النهاية أنها لا تستطيع أن تقرر أو تقول عقلانياً كما لو كانت شخصاً منفرداً.

من المفيد تعقّب التقلبات والمنعطفات لمدرسة الخيار الجمعي كي ننقذ جزءاً من اقتصاد الرفاهية «العقلاني» وندمج فيها الاقتصاد العام ونظرية التخطيط، وكذلك نظرية الدولة ونظرية العدالة الاجتماعية. ولهذا الغرض، بيّنت المدرسة بأن القواعد التي يجب تطبيقها يمكن أن تعمل جيداً إذا جرى تقييد الأفضليات. أيضاً، محدوديات الاتفاق التام لباريتو بشأن توزيع الدخل والثروة يمكن التغلب عليها جزئياً إذا سُمح بشكل ما بمستويات المقارنة بين الأشخاص. والظروف غير الديكتاتورية (عدم تبنّ دائم لأفضلية معينة) يمكن تجميدها في القرارات المؤثرة على الحريات الأساسية وحيث يمتلك الفرد الحق في التصويت ضد بعض التعليمات والنظم الاجتماعية.
في النهاية وبعد الكثير من التأكيدات المنطقية، اعترف سين ذاته (1970) بأن لا وجود هناك لقاعدة ذهبية منفردة لتنظيم المجتمع وفق خطوط الرفاهية. هو انتهى بالقول... بينما النقاء مزية غير معقدة لزيت الزيتون أو هواء البحر أو هيرويين الحكايات الشعبية، فهو ليس كذلك في أنظمة الخيار الاجتماعي.
العودة إلى روبنس

في مقدمة كتابه عام 1970، قام سين وبدون قصد بالفصل الحاسم بين أسئلة نظرية إجراءات القرار وأسئلة الفلسفة السياسية. إن المساهمة الرئيسية للخيار الاجتماعي هي اكتشاف ومحاولة إيجاد حلول لإشكالات وتناقضات القرارات التي تتخذها هيئة من الناس، وإن الخطر الرئيسي للخيار الاجتماعي هو محاولة تعريف المجتمع العادل وفرضه على الناس. بالطبع، نحن يجب علينا اتخاذ قرارات جمعية، هياكلها ونتائجها ليست واضحة. آلياتها المنطقية يجب استكشافها، مثلما حين نحلل مأزق التصويت أو شيوع المستهلك المجاني للخدمات العامة. لكن هذه الدراسات يجب ألا تلتبس مع أخلاق القرارات الجمعية.

يوبخ (سين) بذكاء منع روبنس لمقارنات المنفعة بين الناس بالإشارة إلى أن منع مقارنة الأفضليات بين الناس قد يُرفع إذا كان أولئك المشتركون مستعدين للنظر في نتائج خياراتهم عند مناقشة إمكانية الإبقاء على أفضلياتهم. هم يرون وبشكل غير مباشر تلك القيم والأفضليات باعتبارها ليست أساسية، أي، هم مستعدون لتعديلها أو التخلي عنها باسم العدالة. هو يقول «يجب أن يكون واضحاً» «لا فائدة كبيرة يمكن قولها حول العدالة بدون جلب بعض المقارنات الشخصية». غير أن هذا لا ينسجم مع تعريف العدالة طبقاً لهيوم كما سنرى.

«المواطنون يتخذون خيارات اجتماعية ولكن سوف لن يكون هناك «خيار اجتماعي»». حين عرض روبنسن المقارنات الشخصية في الرفاهية الاقتصادية، فهو بالضبط أراد الدفاع عن الرؤية النمساوية للعدالة في المجتمع. في نظام السوق الفردي لا يمكن لأحد القول إن المجتمع عادل أو غير عادل، ولا القول إن المكافآت غير مستحقة أو أن توزيع الملكية غير عادل. الناس هم العادلون وليس الأنظمة. بالطبع في الديمقراطيات تُتخذ خيارات اجتماعية طبقاً للمصالح وللأحكام الأخلاقية لمختلف الأفراد ذوي العلاقة. هذه الأحكام يمكن تقييمها أو نقدها عبر الإشارة فيما إذا كانت تأثيراتها متناقضة أو إيجابية. هذا يختلف كثيراً عن محاولة صياغة وتطبيق دالة رفاهية اجتماعية معدّلة لتجنّب «تناقضات آرو». المواطنون يعملون خيارات اجتماعية، ولكن لا يمكن أن يكون هناك «خيار اجتماعي».

هذا الرفض لعمل حكم اجتماعي جماعي هو منسجم مع فكر ديفيد هيوم الذي اعتبر الواجبات الأخلاقية للناس تنبع من الحس الأخلاقي وليس من العقل.

وهكذا فإن العدالة أو احترام ملكية الآخرين ومراعاة الوعود أصبح التزاماً ويكتسب سلطة على البشرية. وإذا اتفقنا مع هيوم، فإن أي محاولة للاختيار الاجتماعي إنما تعود إلى عالم الأحلام الجمعية التي يمكن أن تتحول بسهولة إلى كوابيس. الخيار الجمعي يتحرك في عالم بدون مؤسسات وبدون منافسة وبدون تاريخ. العالم العقلاني للقرارات يرتكز على المعرفة التامة بأفضليات الفرد.

الخطورة هي أن بعض السلطات أو الحكام يبدؤون العمل على أساس أنهم يعرفون ما هو الأفضل للآخرين. سين عرّف الحرية الفردية كونها تتضمن التمتع بما سماه «المتع» أو functionings – طعام كاف، صحة جيدة، حياة طويلة، فرص للسعادة، احترام الشخصية، المشاركة في حياة الجماعة. هناك مقاطع لام فيها موقف المسحوقين من الناس في المجتمعات غير العادلة، حيث المعاناة من الجوع والموت مبكراً وفقدان معظم الأطفال ونقص التعليم والمعاناة من التمييز. هم لا يسيطرون على حياتهم ولا لديهم المقدرة على الخيار الفردي. لذا هو يدافع عن مواصفات الخيار الاجتماعي للحرية التي تقارن ما يبرز (حقاً) مع ما يختاره الفرد سواء اختار فعلاً أم لم يختر.
هذا يمكن فهمه بأننا نستطيع فرض الحرية على الناس الذين بسبب الفقر والجهل لا يستطيعون عمل الخيارات التي نراها ملائمة لهم. هذه الكلمات تستعيد ظلال أنديرا غاندي التي فرضت تحديد النسل أو سياسة «الطفل الواحد» في الصين الشيوعية.

أحد أهداف الخيار الجماعي والرفاهية الاجتماعية لسين عام 1970 هو بيان أنه من المستحيل أن تكون ليبرالياً كلاسيكياً وتجسد السوق الحر كواحد من بين الترتيبات الاجتماعية القليلة حيث يسود الإجماع. «استحالة الليبرالية الباريتووية» تلخص في تعبير واحد هذا المأزق. الحل البارز لهذا المأزق وغيره في الخيار الاجتماعي، هو المؤسسات التي تطورت في المجتمعات الغربية منذ عهد الرومان، أعني، الملكية الخاصة. هذه المؤسسة تجزّئ عالم قواعد باريتو لكي يكون بالنسبة إلى الأشياء التي يمتلكها الفرد يستطيع التصويت ضد قرار بقية المجتمع، والذي هو جوهر الحريات الإنسانية أو «حقوق الإنسان». حماية الملكية الخاصة في المجتمعات الغربية لا تنال الدعم فقط لتأثيراتها الإيجابية على الإنتاجية، لأنها في النهاية ومن خلال شراء أو استئجار الموارد سوف تقع في أيدي المستعمل الأكثر كفاءة. حقوق الملكية أيضاً تعمل على حماية الحريات الفردية.
تصحيح عيوب السوق بواسطة المؤسسات الناشئة

الحجة الرئيسية لأنصار سياسات التدخل ضد حرية السوق هي وجود عيوب في السوق. هم يبدو لم يقرؤوا رونالد كوس ونظريته عام 1960 (4). كوس في سنواته الأخيرة ابتعد عن تفسير نظريته ليبيّن أن عيوب السوق المفترضة تختفي في الظروف التي تُعرّف بها حقوق الملكية بوضوح والاقتصاد في منافسة تامة. رفاهية التجارة المحسنة خلقت حقوق ملكية وعملت تحت المنافسة غير التامة – المثال البارز هنا كان نمو الرأسمالية في الصين الحالية.
‏The poverty of social choice, Library of economics and liberty, November 2015
............
الهوامش
(1) نظرية الخيار الاجتماعي تمزج عناصر من اقتصاد الرفاهية مع نظرية التصويت. إنها نظرية فردية لكونها تراكم الأفضليات وسلوك أفراد المجتمع لتكوّن في النهاية أحكاماً معقولة للخيار الاجتماعي وبناء دالة (وظيفة) الرفاهية الاجتماعية. جيريمي بنثام جادل بأن الأفضليات ودالات المنفعة للأفراد يمكن مقارنتها بين الأفراد، ولهذا يمكن إضافتها إلى بعضها للوصول إلى قياس للمنفعة التراكمية. أخلاق النفعيين تسعى إلى تعظيم هذا التراكم. غير أن لونيل روبنس Lionel Robbins رفض إمكانية قياس مثل هذه المنفعة ومن ثم نظرية الخيار الاجتماعي القائمة عليها. فهو يقول انظر إلى قانون تناقص المنفعة الحدية الذي يؤكد بأن المنفعة من استهلاك كميات جديدة من السلعة تتناقص تدريجياً حتى تقترب من الصفر. هذا القانون استُخدم كتبرير لتحويل الثروة من الأغنياء إلى الفقراء، باعتبار أن الغني لا يحصل على منفعة من وحدة إضافية للدخل بقدر ما يحصل الفقير. روبنس جادل بأن هذه الفكرة تتجاوز العلم الوضعي، فلا أحد يستطيع قياس منفعة شخص آخر ولا ذلك مطلوب أيضاً من النظرية الوضعية.
(2) يقول (مل) من الأفضل أن تكون إنساناً غير مقتنع بدلاً من أن تكون خنزيراً مقتنعاً. أفضل لك أن تكون سقراطاً غير مقتنع بدلاً من أن تكون غبياً مقتنعاً، وإذا كان للغبي رأي مختلف، فذلك بسبب أنه يعرف فقط جانباً واحداً من السؤال (جانبه هو).
(3) فاعلية باريتو أو أفضلية باريتو هي الحالة التي يتم فيها توزيع الموارد بطريقة أكثر فاعلية، بحيث يستحيل فيها إعادة التوزيع لجعل أحد الأفراد أفضل حالاً دون جعل فرد آخر أكثر سوءاً. المفهوم يعود إلى المهندس والاقتصادي الإيطالي فلفريدو باريتو (1848-1923) الذي استخدم المفهوم في دراساته للفاعلية الاقتصادية وتوزيع الدخل.
(4) مساهمة كوس الشهيرة في الاقتصاد كانت نقده لفكرة فشل السوق الناتج عن وجود المؤثرات الخارجية externalities (وهي الحالة التي يستفيد فيها أو يتضرر منها طرف ثالث لا علاقة له بالنشاط الاقتصادي). أدخل كوس فكرة «تكاليف الإجراءات»، وذكر أن هناك كلفة لاستعمال آلية الأسعار، حيث توجد جزر من التنظيمات الأمرية وسط بحر من سوق التبادل. فهو يرى أن اتجاه علم الاقتصاد كان تطبيق نظرية السعر لتوضيح الأسئلة الاجتماعية، بينما المطلوب هو العكس. «الاقتصاد لايزال ذات الموضوع الذي خلقه آدم سميث، ويواجه نفس المشاكل»، فلابد من عمل تجريبي من النوع الذي يغيّر حقاً الطريقة التي ننظر بها إلى المشكلة. إن تكاليف الإجراءات تعتمد على عمل النظام القانوني (نظام حقوق الملكية، وفرض حقوق الملكية، والمقدرة على التنبؤ بما ستكون عليه القرارات القانونية). إنها أيضاً تعتمد على النظام السياسي وهي متداخلة مع أنظمة اجتماعية أخرى. أراد كوس تطبيق الاقتصاد الجزئي لحل مشكلة كيفية إدارة الموارد المحدودة من خلال تدخّل الدولة المباشر بدلاً من الاعتماد على نظام أسعار معيب.