عبدالله ابن أبي إسحق
مؤسس المدرسة البصرية النحوية
وموقفه من الفصحاء والشعراء والقراءات القرآنية
يظهر أن النقد اللاذع لم يقتصر على القراءات القرآنية وقرّاء كتاب الله من قبل النحّاة ولكنه طال الأدباء والشعراء فعبدالله ابن أبي إسحق مولى آل الحضرمي (ت 117 هـ) وهو من ((كان أول من بعّجّ (فتق) النحو ومدَّ القياس وشرح العلل. وبذلك يجعله الواضع الأول لعلم النحو، إذ يجعله أول من اشتق قواعده وأول من طرّد فيها القياس، بحيث يُحّمل ما لم يُسمع عن العرب على ما سُمع عنهم ، ويقول أبو الطيب اللغوي ((فرَّع عبدالله بن أبي إسحق النحو وقام وتكلم في الهمز، حتى عُمل فيه كتاب مما أملاه))[1]
فتلميذه سيبويه لا يكاد يفتأ ينقل عنه الروايات اللغوية في كتابه مما يجعله بحق أستاذ المدرسة البصرية .
فيونس بن حبيب سأله عن كلمة ((السويق)) وهو الناعم من دقيق الحنطة ، هل ينطقها أحد العرب "الصويق" بالصاد ؟فأجابه : نعم قبيلة عمرو بن تميم تقولها ، ثم قال له وما تريد إلى هذا ؟ عليك بباب من النحو يطّرد وينقاس )) [2]
وهذه الحادثة تُبين مدى تعصب وتشدّد أستاذ المدرسة البصرية بقواعد النحو وآراءه النحوية ووضع التعليلات للقواعد النحوية والقياس عليها قياسا دقيقا بحيث لا يصح الخروج عليها بل إن التخطئة هي السبيل لكل من لا يتوافق مع تلك القواعد ، فقد اعترض كبار الشعراء وبين مواضع اللحن في أشعارهم رغم أنهم أدباء وشعراء مسلمين وهذه الاعتراضات منشأها عنصر طبيعي وهو الاستقراء الناس حيث أن المسح اللغوي للقبائل كان لمجموعة دون أخرى اُعتبرت هي الأفصح ولم تتأثر بأي مؤثرات خارجية لذلك رحلوا إلى ((أعماق نجد وبوادي الحجاز وتهامة يجمعون تلك المادة من ينابيعها الصافية التي لم تفسدها الحضارة ... وهي قبائل تميم وقيس وأسد وطيء وهذيل وبعض عشائر كنانة))[3]
فاستقراء بعض القبائل دون أخرى هو بحد ذاته نقص في الإلمام بكل لغات ولهجات العرب التي من المفروض أن تستقرأ ويتم البناء عليها لتقعيد قواعد النحو ... هو الذي يخلق التشدد اللغوي لعلماء النحو البصريين لأنهم لم يسمعوا ويأخذوا من كل القبائل . وهو الذي انعكس على الاعتراضات التي طالت الشعراء مثل الفرزدق
فالفرزدق عندما أنشد قائلاً :
وعضُّ زَمَان يا ابن مروان لم يَدَعْ ... من المال إلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ
اعترضه ابن أبي إسحاق ((لرفعه قافية البيت وكان حقها النصب لأنها معطوفة)) [4]
أما المرة الأخرى فقد سمعه ابن أبي إسحاق ينشد مادحا يزيد بن عبدالملك :
((مستقبلين شمال الشام تضربنا ... على زواحف تزجى مخها رير
فقال له ابن أبي إسحاق: أسأت! موضعها رفع، وإن رفعت أقويت! وألح الناس على الفرزدق في ذلك فقلبها فقال: على زواحف نزجيها محاسير )) [5]
ويقول الدكتور شوقي ضيف ((وكانت مراجعته المستمرة له تغضبه ، فهجاه بقصيدة يقول في تضاعيفها هذا البيت :
ولو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا
وما كاد يسمع منه حتى قال له "أخطأت أخطأ ، إنما هو مولى موالٍ" يريد أنه أخطأ في إجرائه كلمة موال المضافة مجرى الممنوع من الصرف، إذ جرها بالفتحة وكان ينبغي أن يصرفها قياسا على ما نطق به العرب في مثل جوارٍ وغواشٍ إذ يحذفون الياء منونين في الجر والرفع)) [6]
وكل هذه الحوارات كما أسلفنا دليلٌ واضح وبيّن على مدى احتكام ابن أبي إسحاق للقياس والتعلق بالقاعدة بحيث لا يصح لأي شاعر الخروج عليها مهما بلغت درجة فصاحته وبلاغته .
وحبل تعصب النحّاة الذي طال الشعراء والفصحاء طال أيضاً بعض القراءات القرآنية فابن أبي إسحاق لم يقبل بالرفع في قراءة قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ)[7] ((حيث كانوا يقرءون بالرفع على الابتداء بينما الخبر فعل أمر))[8] لذلك قرأها ابن أبي إسحاق بالنصب "السارقَ والسارقةَ"[9]



[1] المدارس النحوية ، الدكتور شوقي ضيف ، ص : 23

[2] المدارس النحوية ، الدكتور شوقي ضيف ، ص : 23

[3] المزهر للسيوطي ، 1/211

[4] المدارس النحوية ، الدكتور شوقي ضيف ، ص : 23

[5] خزانة الأدب / عبدالقادر البغدادي ، 1/84

[6] المدارس النحوية ، الدكتور شوقي ضيف ، ص : 24

[7] المائدة : 38

[8] المدارس النحوية ، الدكتور شوقي ضيف ، ص : 24

[9] شواذ القراءات لابن خالويه ، ص : 32