صدر كتاب جديد - إنقـــاذ الرأســـمالية - البرفسور روبرت رايخ



https://www.facebook.com/RBReich/
د‏.‏ جلال أمين

هذا كتاب جديد ومهم، لاقتصادى أمريكى شهير هو «روبرت رايخ» الأستاذ فى جامعة كاليفورنيا فى بيركلي، والذى شغل لعدة سنوات منصب وزير القوى العاملة فى عهد الرئيس كلينتون.

نشرت له من قبل عدة كتب مهمة، تشرح وتعلق على ما طرأ على النظام الرأسمالى الحديث من تغيرات، أو تفسر الأزمة الاقتصادية الراهنة، أو تتنبأ بمستقبل الاقتصاد الأمريكي، وقد حازت كلها نجاحا كبيرا وها هو الآن يضيف كتابا جديدا ليس أقل من كتبه السابقة فى العمق أو السلاسة أو قوة الحجة.

اسم الكتاب الأخير «إنقاذ الرأسمالية» لكن عنوانه الفرعى هو الذى يبين ما يرمى إليه المؤلف بالضبط «من أجل الكثرة لا القلة» إنه لا يدعو الى التخلى عن الحافز الفردى كدافع أساسى فى النظام الاقتصادي، لكنه يرى ضرورة تدخل الدولة لمصلحة غالبية الناس لا لمصلحة حفنة محدودة العدد.

فى هذا الاتجاه العام، يشترك هذا الكتاب مع ذلك الكتاب الآخر المهم، الذى أثار ضجة كبيرة فى العام الماضي، للاقتصادى الفرنسى توماس بيكيتى وهو كتاب «الرأسمالية فى القرن الحادى والعشرين»، فكلاهما ينتصران للغالبية ضد القلة القابعة على قمة المجتمع، ويناديان بتدخل أكبر من جانب الدولة لتحقيق هذا الهدف، ولكنى وجدت كتاب رايخ أكثر إشباعا (وربما أيضا أكثر أهمية)، من كتاب بيكيتي.

كان الهدف الأساسى من كتاب بيكيتى تبديد وهم ساد لمدة طويلة (وربما لايزال قائما حتى اليوم)، وهو الاعتقاد بأن النظام الرأسمالي، إن كان يتسم بعدم العدالة فى توزيع الدخل والثروة (أو البعد عن المساواة)، منذ نشأته، وحتى العقود الأولى من القرن العشرين، فإنه منذ ذلك الوقت سائر نحو تخفيف حدة اللامساواة، فإذا ببيكيتى يبين عن طريق جهد رائع فى جمع وتحليل الاحصاءات المتوافرة عما يزيد على عشرين دولة رأسمالية، أن الاتجاه العام للرأسمالية، منذ نشأتها وحتى الآن، هونحو مزيد من اللامساواة وأن فترة التخفيف من حدة اللامساواة ليس الا استثناء عارضا فى تاريخ الرأسمالية، حدث لأسباب تاريخية معينة، ولا ينتظر أن تتكرر إلا اذا اقتنعنا بضرورة بذل جهد واع لإيقاف الاتجاه الى المزيد من اللامساواة.

لقد كتب روبرت رايخ كتابه بعد كتاب بيكيتي، وهو يشير إليه ويقبل نتائجه، ولكنه يهدف الى تبديد وهم مختلف تماما، الوهم هذه المرة أكثر رسوخا وأشد خطورة، وهو وهم لا تبدده الاحصاءات والتفكير، ويتلخص فى ذلك الاعتقاد الراسخ بأن ما يجرى فى البلاد الرأسمالية هو «النظام الطبيعي»، أى الذى تفرضه «طبيعة الأمور»، وأن هناك شيئا «مصطنعاً»، ومن ثم مذموماً، فى التدخل لتعديل مساره، فإننا اذا مارسنا هذا التدخل نحاول تغيير مسار الكرة الأرضية أو حركة النجوم، إن أى محاولة لتغيير مسار الرأسمالية، مستحيلة التحقق لأنها تتحدى الطبيعة الإنسانية، ولابد أن تبوء بالفشل (كما ظهر مثلا بسقوط التجارب الاشتراكية، الواحدة تلو الأخرى فى الثلاثين عاما الأخيرة).

إن هذه النظرة الى النظام الرأسمالى وكأنه المعبر عن الطبيعة الإنسانية، ومن ثم لا تجوز محاولة التدخل لتصحيحه، قديمة قدم بداية علم الاقتصاد على يد آدم سميث، الذى قال قوله الشهير بأن الفرد، فى اتخاذ قراراته الاقتصادية، مدفوعا بالرغبة فى تحقيق مصلحته الشخصية، كأنه «مدفوع بيد خفية»، تجعله يحقق مصلحة المجتمع فى الوقت نفسه الذى يحقق فيه مصلحته الخاصة وأن هذه «اليد الخفية»، شأنها شأن اليد الإلهية، تستعصى على التحدي، ومن ثم فلا مفر من الرضوخ لها، لا عجب إن كتاب آدم سميث (ثروة الأمم) حظى بكل هذا الترحيب منذ صدوره من جانب أنصار النظام الرأسمالى والمستفيدين منه، إذ إنه باعتباره هذا النظام هو «النظام الطبيعي»، الذى لا جدوى من تحديه، بدا وكأنه قد قدم حجة لا تضاهيها حجة أخرى فى القوة.

إن روبرت رايخ ليس بالطبع أول من ينبه الى فساد هذه النظرة، فقد نبه كثيرون قبله الى الطابع التاريخى للنظام الرأسمالي، وبينوا الأسباب التاريخية لنشوئه، وقدم بعضهم أسبابا تاريخية أيضا لحتمية انهياره، ولكنى وجدت فى كتاب روبرت رايخ شرحا رائعا ومبتكرا لسبب مهم لرفض اعتبار النظام الرأسمالى مجرد استجابة لنوازع طبيعية، إذ بين أن هذا النظام هو الى حد كبير، نتيجة لتدخل كبير ومستمر من جانب الدولة لمصلحة القلة، على حساب الكثرة، ومن ثم فالخلاف بين نقاد الرأسمالية وأنصارها ليس فى الحقيقة خلافا حول ما اذا كان يجوز أو لا يجوز أن تتدخل الدولة، أو حول ما اذا كان تدخل الدولة يحسن أن يكون كبيرا أو صغيرا، بل هو حول طبيعة هذا التدخل والغرض منه، المشكلة إذن، على حد تعبير رايخ (ليست فى درجة التدخل الحكومي، بل فى الغرض من هذا التدخل)، ومن ثم فهو يقتطف ويؤيد قول المؤرخ الاقتصادى الشهير كارل بولاني: «إن الذين يدعون الى تقليل تدخل الحكومة يدعون فى الحقيقة الى وجود حكومة من نوع مختلف، أى من النوع الذى يتحيز لهم ويعمل لحسابهم».

بناء على ذلك، فإن الذى حدث فى الولايات المتحدة مثلا، فى عهد الريجانية، ابتداء من مطلع الثمانينيات، ليس كما وصفه أنصار الرأسمالية: «العدول عن سياسة التدخل الحكومي»، بل هو فى الحقيقة «تغيير لنوع التدخل الحكومي»، إذ إن تدخل الحكومة قد استمر، ولكن حدث بعض التغير فى قواعده، فسمح أولا لبنوك (وول ستريت) الكبرى بالمضاربة والإفراط فى المغامرة (مادامت تحقق من ذلك ربحا وفيرا)، بما فى ذلك تقديم القروض لأشخاص لا يستطيعون الوفاء بها، فلما وقعت الواقعة فى 2008 (أى انفجرت الفقاعة، كما يقولون)، بحدوث الأزمة الاقتصادية، وضعت الحكومة القواعد ما من شأنه أن يحمى البنوك الكبرى (مرة أخري) وتقديم الدعم لها، وليس لصغار المقترضين، حتى لا تضطر هذه البنوك الى إعلان إفلاسها.

«السوق الحرة» إذن ليست إلا خرافة، الغرض من نشرها والترويج لها هو أن نغض البصر عن محاولة فحص القواعد التى تضعها الحكومات لمصلحة فئة قليلة من الناس، وعن هوية مستفيدين منها.

تتتابع فصول الكتاب لتثبت صحة هذه المقولة، فى جانب بعد آخر من الجوانب التى تشكل أعمدة النظام الرأسمالي: نظام الملكية (ما الذى يجوز تملكه وما لا يجوز)، ونظام الاحتكار ما يسمح باحتكاره وما لا يسمح به، ونظام التعاقد (ما الذى يسمح به النظام السائد أن يكون محلا للبيع والشراء وما لا يسمح به)، لذلك النظام المتبع لضمان تطبيق هذه القواعد (أى مدى التشدد المتبع أو التساهل فى تطبيقها).

وعلى سبيل المثال: ما الذى يسمح به النظام أو لا يسمح به فيما يتعلق بقيام الشركات الكبيرة بالإنفاق فى الدعاية السياسية لحزب دون آخر، أو لمرشح لرئاسة الجمهورية دون غيره؟ أو الى أى مدى يسمح النظام لشركات الأدوية بالدعاية التجارية لما تنتجه من أدوية، أو باستمرار احتكارها إنتاج دواء معين بمجرد إجراء تعديل طفيف ولا أهمية له فيما تنتجه؟ أو الى أى مدى يمنع النظام صغار المتعاملين مع الشركات الكبرى من مقاضاة هذه الشركات والمطالبة بحقوقهم منها، بناء على شروط مكتوبة بالخط الصغير جدا، فيما وقعوه معها من عقود، واضطروا الى توقيعها بضغط حاجتهم الاقتصادية..الخ.

فى كل هذه الأمور وغيرها، يوجد طبعا تدخل حكومي، وهو تدخل يحقق دائما مصالح القلة على حساب الأغلبية، والذى يسمح باستمرار ذلك، ومن ثم ازدياد اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ليس هو «حرية السوق»، بل القوة السياسية لهذه الفئة القليلة من الناس التى تسمح لها بالتحكم فى الاقتصاد عن طريق تحكمها فى الحكومة وغيرها.

بناء على هذا، ينتقد روبرت رايخ كتاب بيكيتى (رأسمالية القرن الحادى والعشرين)، ليس لخطئه فيما وصل إليه من نتائج، بل لأنه لم يذهب الى أبعد مما ذهب لتفسيرها، إن بيكيتى يقول إن الاتجاه نحو مزيد من اللامساواة سوف يستمر طالما استمر العائد على رأس المال ينمو بمعدل يفوق معدل نمو الناتج القومي، ولكنه لا يفسر لماذا يستمر العائد على رأس المال فى النمو بهذا المعدل، إن رايخ يقول إن السبب هو استمرار سيطرة رأس المال على الحياة السياسية.

يهدى روبرت رايخ كتابه الى ذكرى صديقه الراحل، الاقتصادى الأمريكى الشهير جون يكينيث جالبريث وهو إهداء فى محله، إذ إن هذا الكتاب الرائع، ليس إلا امتدادا لكتابات جالبريث الرائعة أيضا، فى الاتجاه نفسه.