شــعـائر ثــورة الإمام الحســيــن بين الشــكــل والمعنـــى :


-1-
قبل ايام شاهدت تقريراً مصوراً عن الشعائر الحسينية التي تجري في بلدان مختلفة من العالم من استراليا الى روسيا، ومن اندونيسيا الى كندا، قدمته قناة تلفزيونية في واحدة من دول امريكا الجنوبية. التقرير عرض مشاهد المسيرات الضخمة والسواد المنتشر في كل مكان .. الرايات ومشاهد اللطم، والخدمات التي تقدمها المواكب للمعزين، وما الى ذلك. المهم في التقرير انه عرض مشاهد من افلام ايرانية عن ثورة الامام الحسين، وقدم ما أحسبه تعريفاً بالثورة واسبابها. اي انه عرّف مشاهديه في الدولة الامريكية الجنوبية المشار اليها بان ثمة نسخة اخرى من الاسلام غير النسخة التي تحتل الان المركز، يمثلها الاسلام الشيعي الذي يؤمن بان خلافة الله بعد رسول الله صلى الله عليه وآله يستحقها الائمة او الخلفاء او الامراء الاثني عشر من عترة النبي.


-2-

هذا التعريف الذي ساقت اليه شعائر الثورة الحسينية يكشف لنا عن الدور او الوظيفة المهمة التي ينبغي ان تنهض بها هذه الشعائر، وهي تصديع المركز واحلال الهامش بدلا منه، او قل نقل بؤرة الضوء من الصورة التي تتصدر واجهة المسرح الفكري او الاعلامي على انها هي صورة الاسلام، وتركيزها على الصورة المهمشة المقصية، وتقديمها على انها هي صورة الاسلام الحقيقية.


وظيفة الشعائر اذن هي ان تضع قدم المتلقي على طريق الاسئلة التي ستقوده الى الاجوبة.
ومعنى هذا انه يجب ان تكون الشعائر وظيفية، أي ان ننظر لها على انها واقع رمزي يؤدي وظيفة نقل معنى او رسالة، وليست واقعا مطلوبا لذاته. وظيفة الشعائر هي ان تعمل عمل الثورة، فاذا كانت الثورة الحسينية صرخة رفض مدوية في وجه الباطل أعلن من خلالها الامام الحسين عن انحراف الخط الرسمي الذي تلبس بالاسلام، واعلن بالنتيجة عن الهوية الحقيقية للإسلام التي يحاول المركز او الخط الرسمي تغييبها وابعادها عن ساحة الوعي، فان على الشعائر ان تتبنى وظيفة ابقاء حرارة الجذوة الشعورية التي أوقدتها الثورة الحسينية، من جهة، وحمل الرسالة، التي من اجلها ثار الامام الحسين، لأجيال الأمة، وللعالم اجمع. وبهذا تكون الشعائر جزءاً لا يتجزأ من الثورة، وتكون امتدادا واستمرارا لها.


-3-
لو استحضرنا الان بعض المشاهد والصور التي تصر أكثر القنوات الفضائية على عرضها، وخاصة القنوات المغرضة او ذات المصلحة في تشويه الثورة الحسينية ووتشويه حتى الصورة المهمشة للاسلام، من أجل مزيد من التهميش والطمر لها.. كثير من القنوات الفضائية تختصر الشعائر الحسينية بصور الدم الذي يلطخ وجوه وثياب ضاربي السيوف والقامات، وبينها صور أطفال تنزف الدماء من رؤوسهم، ومشاهد الاستعراضات التي تتحرى تقديم حركات مختلفة ومثيرة تعمل على تركيز الانتباه على نفس الحركات، لا على ما يفترض ان تكون الشعائر وسيلة لاثارته والتذكير به، وصور ومشاهد شاذة أخرى.
مثل هذه الصور والمشاهد تؤدي وظيفة تشويهية خطيرة فبدلاً من ان تثير السؤال في ذهنية المتلقي عن معنى ووظيفة هذه المشاهد تجعله يركز على نفس المشاهد. المشاهد تشغله عن التفكير في وظيفتها المفترضة، وبالتالي تصبح نفس هذه المشاهد هي الهدف، وتختفي تماما رسالة الامام الحسين واهداف ثورته، أي ان الشعائر هذه المرة تدفن المعنى وتحارب الثورة بدل ان تستحضرها.
المشاهد تخطف وعي المتلقي وتنقله بعيدا عن الهدف الحسيني.


-4-
لكن هل هذه المشاهد نتيجة شاذة، ام انها نتيجة محتومة؟


الشعائر تديم زخم الثورة – كما قلنا – تبقيها حارة في القلوب والضمائر، وتبقي نورها مشعاً في الوعي، الشعائر بالنتيجة امتداد واستمرار للثورة، او لنقل هي تهيئة واعداد للثورة.
السؤال الذي يفرض نفسه: اذن لماذا لم تُنتج الشعائر مفاعيلها المفترضة؟ لماذا لم تحدث الثورة التي تغير الواقع وتعيد للإسلام وجهه الحقيقي؟
كان يفترض بالشعائر ان تفعّل الوعي والوجدان وتنتج ثورات كثيرة، لكن الواقع والتاريخ يكشفان عن حقيقة اخرى مغايرة. فالثورة المنتظرة لم تقع.
عدم حصول المفاعيل المفترضة في مدة متمادية من الزمن يشير حتما – وفي أقل النتائج – الى ان القائمين على هذه الشعائر لم يكونوا بالوعي المطلوب الذي يستطيع ان يفهم الرمزية الخصبة المستودعة في الشعائر ويعمل على تفعيلها.. التفعيل يعني ان يتم رصد الثورة الحسينية واستلهام تجلياتها في الواقع المعيش، سياسيا واقتصاديا وفكريا واخلاقيا.. اي ان تتم رؤية اصداء الثورة في الواقع الحقيقي المتحرك حولنا ورؤية اصداء هذا الواقع في الثورة الحسينية وما تحمله من قيم ومبادئ. وبالتالي ايجاد تفاعل او تداخل حقيقي بين الشعائر ومن خلالها ثورة الامام الحسين وبين الواقع الحي المتحرك.
كل هذا لم يحدث.. فما الذي حدث بالنتيجة؟؟


الذي حدث هو ان الشعائر اصبحت تتحرك منفصلة تماما عن الواقع، ومعزولة كليا عن الهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والقيمي الذي يعيشه الانسان المعاصر.. اصبحت فلكلوراً شعبياً بارداً، ومناسبة للاحتفال لا أكثر. وفي ظل هكذا واقع لابد ان نتوقع المزيد من الظواهر الشاذة التي ستغير صورة الشعائر الحسينية كلياً لتحيلها الى مظاهر قُتلت فيها الروح فصارت بدلا من ان تُّذكر بالحسين وثورته، بدلا من ان تحيي الثورة وتبقيها مستمرة، وتجعلها تتناسل وتلد ثورات متتالية على الباطل، صارت تغيّب ذكرى الحسين وتحيلها الى مناسبة فلكلورية باردة أبعد ما تكون عن حقيقتها، وبهذا صارت شعائر الحسين قتلا لثورة الحسين.


-5-
هل العيب في الشعائر؟


الجواب هو كلا، لا عيب في الشعائر وانما في الوعي القاصر الذي يحركها، هذا الوعي آن أن يستبدل بآخر يعي حقيقة الثورة الحسينية من جهة ويعي الحقيقة الرمزية الوظيفية المهمة للشعائر من جهة أخرى، ليتمكن من إيجاد التفاعل المطلوب بين الشعيرة وبين الحياة المتحركة لكي لا تتحول الشعيرة الى مهرجان فلكلوري بارد الغرض منه تزجية الوقت وقتل الملل.
فنحن لسنا اعداء الشعائر بل احبابها ومشجعوها ولكن نريد اعادة الهوية الحقيقية لها، وتغيير الهوية المزيفة.

-----------------------

بقلم : الدكتور #عبدالرزاق الديراوي​