في العراق خصوصاً هناك كثير من القنوات الفضائية التي نقلت مراسيم ومواكب العزاء التي أقيمت بذكرى عاشوراء الأليمة، على مدى الأيام السابقة، ولما تزل، وبعضها، في الأقل، سيستمر أياماً، وربما أشهراً أخرى.

السؤال: هل هذا جيد؟؟

لا شك في أنه سؤال صعب ومعقد خاصة في ظل أجواء ثقافية موبوءة بصيحات التبديع والتكفير والإخراج من حضيرة الدين، يرفع عقيرته بها هذا الطرف، وذاك على حد سواء. وتتأكد الصعوبة إ
ذا علمنا أن المراسيم الحسينية المقدسة تتعرض لهجمة شرسة ظالمة لا تعرف حدوداً للموضوعية ولا للأخلاق، أو الدين البتة. في مثل هذه الأجواء يغدو مجرد السؤال أمراً يثير الحفائظ ويدعو للتشكيك والريبة في النوايا. ولكن إذا أغمضنا عن هذه الخلفية السياقية التي تؤطر السؤال، وتأملناه بمجرده، أي كمسألة للتفكير والنقاش، لا علاقة لها بالتوظيفات الأيديولوجية، والمذهبية، فقد يبدو سؤالاً سهل الإجابة، فلا شك في أن إحياء ثورة الإمام الحسين صلوات الله عليه، والاهتمام بها إعلامياً، ونقل أصدائها للعالم أجمع يخدم الهدف الحقيقي من الثورة ويكرس الثقافة الحسينية في الوعي والوجدان معاً.

ولكن هل هذا ما يجري، ام إن هناك قصة أخرى، وواقعاً مغايراً؟

لابد من التنبيه إلى أنني أعالج الموضوع من وجهة نظر إنسان تختلط لديه حقيقة الثورة الحسينية بهوية القنوات، أو الجهات التي تنقل أصدائها. أي إنه يرى الفكرالذي تتبناه جهات، وهويات دينية وثقافية معينة على أنه يمثل الثورة الحسنية، أو قل إنه التشكل المعاصر لهذه الثورة، والمرآة التي تعكس حقيقتها.

من زاوية النظر هذه قد تبدو الإجابة بنعم متسرعة، وساذجة للغاية. فإذا راقبنا المسألة من خلال عينة اختبار تتمثل بالقنوات الفضائية التي تنقل المراسيم، فسنلاحظ أن هذه القنوات تغض الطرف، بل تُصاب بالعمى الكلي، عن كل ما يتعلق بواقع الناس، وأوضاعهم السياسية والاقتصادية ومعاناتهم، ومنغصات عيشهم اليومية وتركز كل التركيز على نهر السواد الذي يسيل بالمعزين واللاطمين وضاربي الزنجيل، لدرجة تختطف المشاهد تماماً، وتلقي به في واقع لا علاقة له بواقعه الفعلي.

إن قطع الصلة بين الثورة الحسينية والمراسيم المتعلقة بها وبين واقع الناس الفكري والسياسي والاقتصادي، أو قل بين الثورة الحسينية والواقع الحي الراهن للإنسان يُظهر المراسيم المتعلقة بالثورة الحسينية أشبه ما تكون بالأفيون، أو بعملية اختطاف للوعي. لا عجب بعد هذا أن ينسى الناس حقيقة ما تمثله المراسيم ويتعاملوا مع مظاهرها وفعالياتها كاللطم والبكاء وما إلى ذلك على أنها هي كل الحقيقة، وكل ما هو مطلوب.

إذن لابد من ربط المراسيم الحسينية ربطاً محكماً، حقيقياً بواقع الناس الحقيقي، لتكون مصدر توعية وتحريض على رفض الظلم والظالمين، أي أن تكون ثورة متجددة، متواصلة، وصرخة مدوية تتناقل الأجيال أصداءها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.


عبدالرزاق هاشم الديراوي