عبدالرزاق هاشم الديراوي
هيهات منا الذلة
كثرة استهلاك الكلمات تُفقدها معانيها، وحرارتها، وعمقها، وتحيلها، في النهاية، إلى كيانات، أو جثث صوتية باردة، قد تعني أي شيء، وقد لا تعني شيئاً بالمرة.
ولعل عبارة "هيهات منا الذلة" أكثر عبارة تعرضت لهذا القتل، أو الإغتيال الاستهلاكي، بتعبير أدق. فالألسنة ترددها، بل تلوكها في كل حين، بمناسبة، وبغيرها، حتى إن بعضاً، أو كثيراً ممن يرددها غارق في الذلة حتى أذنيه!
قتل الكلمات ينتعش، عادة، في ظل ثقافة التقليد، أو الإتّباع غير الواعي، حيث تستحيل الأفكار، والمعاني إلى عادات، أو صيغ جاهزة تستنزفها السليقة الاجتماعية، وتطبعها بميسم السياقات الجديدة التي تنتظمها. فالعبارة الثورية، التي أُطلقها الإمام الحسين صلوات الله عليه لتعبر عن الحرية الحقيقية المجردة، والرفض العظيم لكل ما يتعارض مع كرامة الإنسان، وإنسانيته، في موقف من أصعب المواقف، وأشدها حراجة بالنسبة لحرية القرار الإنساني، قد يرددها هذا الشخص، أو ذاك لتعبر عن قضية رخيصة، وبدوافع مصلحية.
وعلى سبيل المثال المقصود جداً، قد ينتفض شخص، أو مجموعة، أو طبقة اجتماعية، ويزبد، وتنتفخ أوداجه فقط لأن سلم الرواتب لم يعد يرقى به إلى طبقات المعيشة العليا التي تعودها، بينما لا، ولم يتحرك له ساكن عندما تحرك الجياع والمتضررين من الفساد. والعجيب إن إحدى المتضررات من نقصان السلم صوّرت قضيتها السُّلمية في خطبتها الثورية وكأنها قضية القضايا.. سبحان الله، أهكذا يحدث حين تعض البطة إصبعك؟