الحزن الواعي
لم يكن خروج الحسين بأهله، وعياله، وخيرة أهل الأرض من أصحابه، وما ترتب على كل ذلك من حدث مأساوي لم يعرف التاريخ البشري نظيراً له، بلا معنى، أو من أجل أن تُذرف عليه الدموع، وتلطم الصدور، ويُقال: "قُتل الحسين مظلوماً". نعم، هذا كان جزءاً مخططاً، فالمأساة العميقة، والقصة ذات الحدث المذهل كانت فعلاً مقصوداً، ولكنه لم يكن مقصوداً لذاته، وإنما لهدف سامٍ يقف على أكتافه.
القصة المأساوية العميقة، التي تتقطع لها نياط القلب، كانت السفينة الوحيدة القادرة على عبور المسافات التاريخية الشاسعة، المضطربة بأمواج التضليل، والإعلام المزيف، حاملة معها السؤال الصعب الذي أراد له الحسين أن يبلغ جميع الأسماع في كل العصور: لماذا قُتل سبط النبي بعد نصف قرن فقط من وفاة جده؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن ننشغل به حقاً، ونحن ذرف الدموع على السبط الذي قتل مذبوحاً. أما بغير الإجابة عليه فلن يكون للبكاء من معنى، فإذا لم ينتج الحزنُ الوعيَ، سينتج الخرافة حتماً، وسيُقال: لماذا تبكون على رجل مات منذ قرون.
إن افتراق الوعي عن الحزن سيسمح بتغيير مسارات الثورة الحسينية، أو اختطافها، وتجييرها لمصلحة أهداف غير الأهداف الحسينية.
سمعت أحدهم، يوماً ما، يقول، ما مضمونه:"قُتل الحسين من أجل أن يكون لكل إنسان رأي في اختيار الحاكم"، بينما أراد الحسين أن يكتب على جبين التاريخ رسالته الخالدة التي يمكن اختصارها بعبارة "لا حق، لغير الله، باختيار الحاكم"!!