القـــول الفصــــل في الاستعانـــة بغيـــر الله؟

بيــــــــــــــان قائــــــــــم ال مـــحمــــــد (ع)




============
[الاستعانة، على العبد أن لا يستعين بغير الله سبحانه وتعالى في جميع أموره الدنيوية والأخروية، في أعماله وعبادته، في نومه ويقظته، في مرضه وصحته.

ولكن كيف يتحقّق هذا الأمر، ونحن نستعين بالعامل والفلاح والمهندس والطبيب وعالم الدين وبالملائكة وبأرواح الصالحين، من الأنبياء والأوصياء والشهداء والأولياء؟

إن هذا الإخلاص في الاستعانة بالله وحده لا يتحقق إلاّ إذا عرف العبد أنّ كل شيء قائم به، وإنّه سبحانه حقيقة الوجود، وإنّ أزمّة الأمور بيده، فلا حول ولا قوّة، ولا موجود ولا مؤثر ولا علة ولا معلول، إلاّ بالله الواحد القهار.

ولا أقصد بمعرفة العبد المعرفة السطحية الخالية من اليقين الذي يظهر في أفعاله وأقواله، فإذا عرف العبد أنّ الشافي الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، وإنّه لا دواء ولا طبيب إلاّ بالله،كما أنّه لا تأثير لهما إلاّ إذا شاء الله، فليذهب إلى الطبيب وليستعمل الدواء، فإنّ استعانته بهما في هذه الحال ستكون استعانة بالله؛ لأنّ هذا العبد لا يرى إلاّ الله كما ورد عنهم (ع): (ما رأيت شيئاً إلاّ رأيت الله قبله وبعده ومعه) ([80]).

مع أنّ مثل هذا العبد يستغني في كثير من الأحيان عن الدواء أو الطبيب، ويستعين بالدعاء أو بقراءة سورة من القرآن، فقد ورد ما معناه: (إنّ الفاتحة شفاء من كل داء إلاّ الموت) ([81]).
ويجب الالتفات إلى أنّ الاستعانة بالأنبياء والأوصياء والملائكة في قضاء الحوائج عند الله سبحانه لا ينافي الإخلاص له سبحانه، بل إنّ شفاعتهم للعباد كرامة أكرمهم الله بها، وجعلهم أبواباً لنزول فضله، وأسباباً لإفاضة رحمته، قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾([82]).

وشفاعتهم في حياتهم ثابتة قطعاً، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾([83]).

وشفاعتهم يوم القيامة ثابتة بالآيات والروايات، وإجماع المسلمين على أنّ رسول الله (ص) شافع مشفع يوم القيامة.أمّا شفاعتهم (ع) بعد موتهم، سواء للأحياء في الدنيا أو للأمـوات في البرزخ، فهي أيضاً ثابتة في القرآن، قال تعـالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم﴾([84]).

وفي الآية ذِكر الشفاعة جاء بعد ذِكر الأرض والسماوات، أي: الدنيا والآخرة. فالأرض تعبّر عن الحياة المادية الدنيوية، والسماوات تعبّر عن الحياة الأخروية، فالآية تثبت الشفاعة بأذن الله لمن يشاء من نبي أو وصي أو ولي لعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، بل وعلى التنزيل،كما ورد في قراءة الأئمة (ع) لآية الكرسي: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُما وَمَا تَحْتَ الثَّرَى عَاِلمُ الغَيْبِ وَالشَهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْم مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ...﴾([85]).

تكون الشفاعة ثابتة في البرزخ (وما بينهما)، بل وفي العوالم السفلية (الأرضين السبع)، أي: للجن المؤمنين (ما تحت الثرى)، والله أعلم.ثم إنّ الشفاعة المثبَتة في الآية مطلقة غير مقيدة بوقت دون وقت، ولا حال دون حال، بل إنّ القوم الذين نفوا الشفاعة اشتبه عليهم الأمر؛ لما ظنوا أنّ الموت عدم.

والحق أنّه انتقال النفس الإنسانية من دار إلى دار، والحق أنّ الموت تكامل في الإحساس والشعور ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾([86])، بل إنّ القرآن أنكر هذا الفهم السقيم للموت.

قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾([87]).

فإذا كان رسول الله (ص)حي عند الله سبحانه وتعالى، والقرآن أثبت الشفاعة العامّة المطلقة غير المقيدة إلاّ بإذن الله سبحانه، فما الوجه لنفي شفاعة النبي (ص)بإذن الله - وهو حي عند الله - لمن شاء الله من الأحياء أو الأموات؟ بلى هناك شفاعة واحدة نفاها القرآن، وهي الشفاعة عند الموت.

قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾([88]).

والآية تحذّر الإنسان وتدعوه إلى الخشية من يوم سيأتي عليه لن يشفع له فيه أحد، وهذا اليوم الآتي، أمّا يوم الموت، أو يوم القيامة، وبما أنّ الشفاعة ثابتة في يوم القيامة، يبقى يوم الموت فقط. وهذا ما ورد عن أئمة أهل البيت (ع) إنّ الشفاعة المنفية هي عند الموت فقط، راجع تفسير الصافي وغيره عن هذه الآية للإطلاع على الروايات ([89]).

وأوّلَ بعض المفسرين الشفاعة في الآية، أنّها الشفاعة الباطلة التي ادعاها المشركون بأصنامهم وأوليائهم أعداء الله لعنهم الله.

وهذا التأويل غير دقيق؛ لأنّ الآية تنفي الشفاعة في وقت معين، بل إنّ الآية تنفي شفاعة من له شفاعة في هذا اليوم، وهو يوم الموت، فسكرات الموت والآلام العظيمة عند خروج الروح من البدن لا ينجو منها إلاّ من صاحبوا الناس بأبدانهم، وأرواحهم معلّقة بالملأ الأعلى، فالإنسان إذا أقحم روحه في الدنيا والمادة إقحاماً شديداً أو كثيفاً وتعلّق بها بعلائق كثيرة، أمسى إخراجه منها يحتاج إلى قطع كل تلك العلائق، أمسى إخراج روحه من بدنه كإخراج الحسكة من الصوف، وهذه الحالة إذا تدبّرناها جيداً علمنا أنّه أصلاً لا تتصور الشفاعة فيها؛ لأنّها تتطلب خرق للنظم الكونية والقوانين الإلهية والتي لم نرَ إنّها خُرقت على طول المسيرة الإنسانية في هذه الأرض، إلاّ في حالات نادرة؛ لإثبات وجود الله ،كعدم إحراق النار لإبراهيم (ع)، مع أنّ هذه الحالة نفسها لو تعمّقنا فيها لم نجدها خرقاً لقانون كوني، فربما كانت نار إبراهيم محرقة، وبدن إبراهيم قابل للاحتراق، ولكنّه عُزل عنها بعازل، وفُصل منها بفاصل، والله أعلم
].

* * *
شيء من تفسير سورة الفاتحة