هل تحقق الديمقراطية العدالة للشعوب؟

أول ما نشأت الديمقراطية في اليونان ولكن جذورها وهي أهم ما في عصرنا الحالي نبتت في إنجلترا منذ سبعة قرون حين وقع الملك جون دستور (الماجنا كارتا) في سنة 1215 ولم يكن يرغب في ذلك من صميم فؤاده لأنه شعر أن فيه تسليماً واعترافاً بقيام قوة أخرى إلى جانبه تملك بين يديها السلطان .
والمعروف أن رؤساء الدول وأعضاء الهيئات الحاكمة يرفضون التنازل عن جاههم وسلطانهم الذي استحوذوا عليه بل يتشبثون به خشية أن يفلت من بين أيديهم .
أما الديمقراطية فإنها تنص على أن قوة السلطان يجب أن تكون في أيدي الشعب .
ومنذ أن تم التوقيع على الماجنا كارتا وقعت في إنجلترا أحداث متعاقبة استمرت زهاء الأربعة قرون . ولقد كانت العملية بطيئة , ولكنها انتهت إلى إقرار النظام البرلماني هناك , عندما وقف السير أدوار كوك في مجلس العموم في مستهل القرن السابع عشر , ونادى في جرأة منقطعة النظير بعدم قانونية بعض المراسيم الملكية لمخالفتها للدستور , وأنها أصبحت غير ملزمة التنفيذ .
وهكذا كانت إنكلترا مهدا للديمقراطية . غير إنها لم تمنح مستعمراتها الأمريكية مثل هذا الامتياز وظلت تعامل سكانها كقطيع من السائمة .
ربما عندما تبدأ المسيرة الديمقراطية في أي بلد تتشكل عشرات الأحزاب والتيارات السياسية، ولكن و بما أنّ الخداع والتزوير والكذب والافتراء والدعاية والمال هي الحاكم الحقيقي، فمع مرور الزمن تصفّى كل هذه الأحزاب ولا يبقى إلاّ حزبان في الغالب على الساحة السياسية، بل النتيجة الأخيرة والنهاية المرّة هي هيمنة أحد هذين الحزبين على دفّة القيادة، وهكذا تعود الدكتاتورية باسم الديمقراطية وأقدم بلدين ديمقراطيين هما أوضح مثال لهذه الحالة فهما يمرّان بالمراحل الأخيرة من الديمقراطية، وهما بريطانيا ويهيمن فيها حزب المحافظين وحزب العمال وأمريكا ويهيمن فيها الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، وهذه الأحزاب تمر في هذه المرحلة في حالة صراع للهيمنة المطلقة على السلطة، فالديمقراطية تمر بمراحل تسقيط للضعفاء، وهكذا فالناس يمرّون من الديمقراطية إلى الدكتاتورية، بل إنّ هيمنة حزبين وفكرين على دفّة القيادة هي الدكتاتورية بعينها إذا أخذنا بنظر الاعتبار التوافق الفكري بينهما وعدم وجود معارضة فكرية حقيقية. هذا إذا لم تحصل نكسة بعد تسلط جماعة من دعاة الديمقراطية على دفّة الحكم، وقيامهم بإقصاء باقي الأطراف، وبالتالي التحوّل من الديمقراطية إلى الدكتاتورية بين ليلة وضحاها.
وفي هذا يقول الفيلسوف اليوناني أفلاطون: (ويبرز بين دعاة الديمقراطية وحماة الشعب أشدّهم عنفاً وأكثرهم دهاءً، فينفي الأغنياء أو يعدمهم ويلغي الديون ويقسم الأراضي ويؤلف لنفسه حامية يتقي بها شر المؤامرات فيغتبط به الشعب ويستأثر هو بالسلطة، ولكي يمكن لنفسه ويشغل الشعب عنه ويديم الحاجة إليه يشهر الحرب على جيرانه بعد أن كان سالمهم ليفرغ إلى تحقيق أمنيته في الداخل ويقطع رأس كل منافس أو ناقد ويقصي عنه كل رجل فاضل ويقرب إليه جماعة من المرتزقة والعتقاء ويجزل العطاء للشعراء الذين نفيناهم من مدينتنا فيكيلون له المديح كيلاً. وينهب الهياكل ويعتصر الشعب ليطعم حراسه وأعوانه، فيدرك الشعب أنه أنتقل من الحرية إلى الطغيان وهذه هي الحكومة الأخيرة) [1].
بهذه التناقضات أكتفي للاختصار وإلاّ فتناقضات الديمقراطية كثيرة جدّاً.
الديمقراطية والدين:
من المؤكد أنّ للدين الإلهي فكراً آخر غير الفكر الديمقراطي، فالدين الإلهي لا يقرّ إلاّ التعيين من الله ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، وهو المهدي u ولا يقرّ إلاّ القانون الإلهي في زماننا نحن المسلمون (القرآن )، وبالنسبة لليهود إيليا u والتوراة، وبالنسبة للمسيح عيسى (ع) والإنجيل، فإذا كان الأمر كذلك كيف يدّعي المسلم أو المسيحي أو اليهودي أنّه يؤمن بالله ويقرّ حاكميته المتمثلة بالمهدي u والقرآن، أو عيسى (ع) والإنجيل، أو إيليا (ع) والتوراة، وفي نفس الوقت يقرّ حاكمية الناس والديمقراطية وهي تنقض أساس الدين الإلهي وحاكمية الله في أرضه؟
إذن، فالذي يقرّ الديمقراطية والانتخابات لا يمت للدين الإلهي بصلة وهو كافر بكل الأديان وبحاكمية الله في أرضه.
جميع الأديان الإلهية تقرّ حاكمية الله سبحانه وتعـالى، ولكن الناس عارضوا هذه الحاكمية ولم يقرّوها في الغالب إلاّ القليل مثل قوم موسى u في عهد طالوت أو المسلمين في عهد رسول الله ، ولكنهم ما أن توفي رسول الله حتى عادوا إلى معارضة حاكمية الله سبحانه وإقرار حاكمية الناس بالشورى والانتخابات وسقيفة بني ساعدة التي نحّت الوصي علي بن أبي طالبu.ومع أنّ الجميع اليوم ينادون بحاكمية الناس والانتخابات سواء منهم العلماء أم عامة الناس، إلاّ أنّ الغالبية العظمى منهم يعترفون أنّ خليفة الله في أرضه هو صاحب الحق، ولكن هذا الاعتراف يبقى كعقيدة ضعيفة مغلوبة على أمرها في صراع نفسي بين الظاهر والباطن، وهكذا يعيش الناس وبالخصوص العلماء غير العاملين حالة نفاق تقلق مضاجعهم وتجعلهم يترنحون ويتخبطون العشواء، فهم يعلمون أنّ الله هو الحق، وأنّ حاكمية الله هي الحق، وأنّ حاكمية الناس باطل ومعارضة لحاكمية الله في أرضه، ولكنهم لا يقفون مع الحق ويؤيدون الباطل.


المصدر: كتاب حاكمية الله لا حاكمية الناس للإمام أحمد الحسن (ع)

------------------------------------------------
[1]- جمهورية أفلاطون.