إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

هل سنخرج من عصور الظلام كما خرجت أوروبا؟ بقلم الشيخ ناظم العقيلي

Collapse
X
 
  • Filter
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • نجمة الجدي
    مدير متابعة وتنشيط
    • 25-09-2008
    • 5279

    هل سنخرج من عصور الظلام كما خرجت أوروبا؟ بقلم الشيخ ناظم العقيلي





    #هل_سنخرج_من_عصور_الظلام_كما_خرجت_أوروبا؟

    الجزء الأول: عصور الظلام في أوروبا
    ️الحلقة الأولى

    عندما نعود في الزمن الى القرون الوسطى أو كما اشتهرت بـ (عصور الظلام)، ونحاول الاطلاع على بعض معالمها، حيث كان الظلام في أوروبا دامساً، قاتماً موحشاً يخنق النفس ويتغلغل في الأعماق، كان المفكرون والعلماء والفلاسفة، يعيشون أوقاتاً صعبة للغاية، وهم يرون الظلم والإرهاب والقمع يُمارس باسم الرب وباسم الدين في نشوة وزهو منقطع النظير ! وكانت تهمة الهرطقة والكفر نصيب الأحرار وعمالقة الفكر والعلم، حيث تؤدي بهم الى المقصلة اللعينة أو حياة الغربة والخوف والقلق الذي يفتت الفؤاد. إما أنْ تكون تابعاً لتخاريف وجمود الكنيسة آنذاك، وإلا فعليك أنْ تعيش حياتك كعدو لله والمسيح، ترمقك الناس بعين المقت والاحتقار، ليس لأنك قد كفرتَ بالله سبحانه أو خالفت تعاليم عيسى المسيح، بل لأنك خالفت عقول الكهنة والبابوات في تفسيرهم لدين الله وتعاليم المسيح !

    لقد أجرم نيكولاس كوبرنيكوس Nicolaus Copernicus (1473 – 1543م)، بنظر الكنسية عندما أكتشف نظرية مركزية الشمس، خلافاً لنظرية بطليموس في مركزية الأرض، التي دامت عدّة قرون، وكانت الكنيسة تعتبرها من الثوابت التي لا ينبغي المساس بها وكأنَّها وحيٌ سماويٌ ! كادت نظرية مركزية الشمس أن تودي بحياة كوبرنيكوس الفيلسوف الراهب وعالم الرياضيات والفلكي الشهير، تعرَّض لضغوط قويّة جداً بسبب نظريته هذه، وكان محط تهكم واستصغار رجال الدين. وقد عبَّر كوبرنيكوس عن شديد إيمانه وثقته بالله في جوابه على اعتراض معاصريه القائل:
    (إذا كانت نظريتك صحيحة فإن الزُّهرة لابد من أن ترينا من أوجهها ما يرينا القمر).
    فقال لهم:
    (إنكم على حق، ولست أدري ماذا أقول، ولكن الله رحيم ولابد من أن يوحي إليكم يوماً بما يمكن به الإجابة على ما تسألون) [بين الدين والعلم، أندرو ديكسون وايت].

    وفعلاً قد صدَّق الله أملَ ونبوءة كوبرنيكوس على يد عالم الفلك والفيلسوف الفيزيائي الإيطالي جاليليو جاليلي Galileo Galilei (1564 – 1642 م)، بعد أنْ واصل نشر وتدعيم نظرية كوبرنيكوس، وأظهر للناس وجه كوكب الزُّهرة بمنظاره البدائي. رغم موقف الكنيسة آنذاك ضده ومحاكمته المشهورة التي انتهت بالإقامة الجبرية ومنعه من الترويج لنظرية كوبرنيكوس في مركزية الشمس للمجموعة الشمسية. حاول جاليليو أنّ يقنعهم بشتى السبل ولكن دون جدوى، حيث كان تفسير الحقائق العلمية محتكراً بشكل فظيع من قبل رجال الدين ! فقد كتب رسالة الى أحد رجال الدين، جاء فيها:
    (إن التأويل الحرفي للنصوص المقدسة شيء عبثي ولا معنى له. فالروح القدس يحاول أن يفهمنا الحقائق الروحية عن طريق الصور المجازية. ولا يمكن بالتالي لأي شخص أن يعتمد على هذه الصورة المجازية لكي ينقض العلم). [هاشم صالح، مدخل الى التنوير الأوربي].

    الانصاف يحتم علينا الاعتراف برصانة رأي وتفسير جاليليو، وأنّ الكنسية لو أخذت به لحفظت ماء وجهها على أقل تقدير، ولكن العناد والمكابرة تؤدي بالإنسان الى المهالك. ولكن جاليليو لم يكتفِ بذلك فأراد أن يبين لهم بأن الخلل كامن عند المفسرين للكتب المقدسة وليس في الكتب المقدسة ذاتها، فقال لهم: (لا يمكن للكتابات المقدسة أن تكذب أو أن تخطئ ... ولكن أولئك الذين يفسرونها أو يؤولونها يمكن أن يخطئوا بأشكال شتى. وسوف ترتكب أخطاء عديدة وقاتلة إذا ما التزمنا دائماً بالمعنى الحرفي للكلمات. فهذا ما يجعلنا نقف أمام تناقضات كبيرة لا حل لها) [المصدر السابق]. كلام جاليليو كان بمثابة الإنذار المبكر قبل وقوع الكارثة، وكأنه يستشرف المستقبل وما سيحدث للكنيسة ورجالها من حرج لا يُحسدون عليه. لقد برهن جاليليو على عمق نظرته الثاقبة عندما أوضح مواطن الخلل والخطر وأعطي الحل المناسب، ولكن ما الفائدة إن وقع هكذا علماء كبار تحت سلطة قساوسة لا يرون الحقائق إلا تحت قبعاتهم !

    وقد خاطبهم جاليليو بكلمات تستحق أن تكتب بماء الذهب، وتلخص الوجود كله بكلمات قليلة غاية في الحكمة والروعة، عندما أوضح لهم بأن الطبيعة وحقائقها أيضاً كتاب الله وكلماته فلا يمكن أن تتعارض مع كلماته في الكتاب المقدس، إذ قال: (ينبغي أن نعلم أن الكتابات المقدسة والكتابات الطبيعية تصدر كلاهما عن الكلام الإلهي. فالأولى مُلْهَمَة من قبل الروح القدس، والثانية تنفِّذ بكل دقة القوانين التي أقامها الله في الكون ...). بمعنى أنَّ الكتاب المقدس هو كتاب الله التدويني، أما الطبيعة والمادة فهي كتاب الله التكويني، فلا يمكن التناقض بينهما، فإذا وجدنا حقيقة علمية في الطبيعة وبدليل تجريبي ملموس، فهذا بمثابة آية وكلمة من كلمات الله في كتابه المقدس التكويني. بل يمكننا القول - في الجملة - بتقديم آيات الله التكوينية على آياته التدوينية، إنْ لم يكن خليفة الله موجوداً بيننا، لأنّ الكتب التدوينية والحال هذه معرضة للتحريف والتأويل الخاطئ، بينما كلمات وآيات الله في الكون فهي تَعرض نفسها أمام الجميع للاختبار والتجربة والتحقيق في كل زمان ومكان.

    ثم قال جاليليو بعد ذلك: (إن هدف الروح القدس في النصوص الدينية يكمن في تعليمنا كيف نذهب الى السماء، وليس كيف هي مصنوعة السماء) [المصدر السابق]. ويقصد جاليليو أنّ الكتب الدينية تعلمنا كيف نسمو ونرتقي أخلاقياً وسلوكياً، وكيف نسعى لرضا الله وطاعته ونيل الكمالات الروحية، لا أن تعلمنا قوانين الفلك وطبيعة السماء الفيزيائية والفلكية .. ولكن ما من مجيب ! بل لم يستطع جاليليو الحفاظ على نفسه إلا بصعوبة بالغة !

    وإنْ كان الحظ قد حالف كوبرنيكوس وجاليليو في النجاة من الموت المحتم على أيدي رجال الدين؛ فلم ينجُ الفيلسوف الإيطالي الشهير جوردانو برونو Giordano Bruno (1548 - 1600 م)، فتم الحكم عليه بالموت حرقاً، نعم حرقاً باسم الرب بسبب آرائه الفلكية المؤيدة لنظرية كوبرنيكوس، هذه النظرية التي انتصرت وسادت العالم بجهود عمالقة العلم والفكر، وأصبحت مواقف رجال الدين في التمسك بنظرية بطليموس مدعاة للخجل والحرج.

    تصوروا؛ أحرقت الكنيسة جوردانو برونو حياً، ومع ذلك فهي تدَّعي تمثيل عيسى المسيح الذي يقول:
    أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ !!

    وبعد عدَّة قرون اضطرت الكنيسة للاعتذار عن الظلم الذي وقع على جاليليو. يقول الدكتور الكاتب السوري هاشم صالح في كتابه (مدخل الى التنوير الأوربي): (... في الواقع إن البابا يوحنا بولس الثاني كان قد صرح منذ عام 1979 بمناسبة مرور مائة عام على ولادة أينشتاين: "إن عظمة غاليليو معروفة للجميع، تماماً كعظمة أينشتاين. ولكن الفرق بينهما هو أن غاليليو عانى كثيراً من ضغط الكنيسة ورجالاتها. وهذا ما لا نستطيع إنكاره أو إخفاؤه).

    كانت هكذا أحداث ومواقف تشكل هزَّات قوية جداً تزلزل مواقف الناس وخصوصاً الأحرار والمفكرين تجاه الدين، كان العامل الأساس في تراجع الناس عن إيمانهم ودينهم هم رجال الدين والمؤسسة الدينية (الكنيسة) في ذلك الزمان. فقد كانت تعاليم الكنسية وممارساتها التعسفية مستفزة جداً، فضلاً عن مسألة صكوك الغفران وعقيدة الثالوث وما يحتويه الكتاب المقدس (بعهديه القديم والجديد) من عقائد وقضايا تخالف العقل والذوق السليم. وقع كثير من العلماء والفلاسفة بين خيارين أحلاهما مُرّ كما يقال؛ إما الكفر والخروج عن الدين كلياً، وإما الذهاب الى أن هذا الانحراف والتعارض والسلوكيات الخاطئة والظلم والقمع إنّما هو نتاج التحريف والتغيير الذي طال الكتب المقدسة ونتيجة اجتهاد وآراء ومواقف رجال الدين الغير متزنة، الذين هم بالنتيجة غير معصومين ولا يمثلون الدين بالضرورة، وأنّ دين الله أكبر من أن يكون محصوراً ومُمَثلاً في هكذا مؤسسات وشخصيات.

    يُعتبر الفيلسوف الهولندي الشهير باروخ سبينوزا Baruch Spinoza (1632 – 1677 م) من أشهر الشخصيات التي أخذت على عاتقها نقد الدين السائد آنذاك والكتب المقدسة وخصوصاً كتاب التوراة وما يتضمنه من تعارض وتحريف ونصوص لا يمكن قبولها بحال. فلم يسلم سبينوزا من قمع وإرهاب رجال الدين. كان سبينوزا من عائلة يهودية، وقد عكف على دراسة التوراة والتلمود بِنَهَمٍ وعُمقٍ وتتبع المذاهب الفلسفية واهتم كثيراً بفلسفة الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي رينيه ديكارت René Descartes (1596 – 1650 م). وقد كان نابغاً ومميّزاً جداً بين اليهود وكانوا يعقدون عليه آمالاً كبيرة، ولكنه سرعان ما بدأ بنقد التوراة وبعض العقائد والشعائر والممارسات اليهودية، وقد حاولوا كثيراً في كسبه واغرائه بشتى السبل ولكن دون جدوى.

    ثم تمت محاكمة سبينوزا أمام رؤساء المجلس الملّي اليهودي، كما يقول الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي الكبير وِل ديورَانت Will Durant (1885 – 1981 م): (وتم القرار بموافقة أعضاء المجلس على إنزال اللعنة والحرمان بالمدعو سبينوزا وفصله عن شعب إسرائيل. وإنزال الحرم به من هذه اللحظة مع اللعنات الآتية: بقرار الملائكة وحكم القديسين نحرم ونلعن وننبذ ونصب دعاءنا على باروخ سبينوزا، بموافقة الطائفة المقدسة كلها، وفي وجود الكتب المقدسة ذات الستمئة والثلاثة عشر ناموساً المكتوبة بها ... وليكن مغضوباً وملعوناً، نهاراً وليلاً، وفي نومه وصبحه، ملعوناً في ذهابه وإيابه، وخروجه ودخوله ... وأن لا يتحدث معه أحد بكلمة، أو يتصل به كتابة، وأن لا يقدم له أحد مساعدة أو معروفاً ... وأن لا يقترب أحد منه على مسافة أربعة أذرع، وأن لا يقرأ أحد شيئاً جرى به قلمه أو أملاه لسانه) قصة الفلسفة، وِل ديورَانت ص120 – 121.

    وهكذا تم محاكمة الفيلسوف الكبير الشاب سبينوزا وطرده والبراءة منه ولعنه باسم الرب والدين، ولكن هذه المرة باسم رب اليهود لا رب المسيح ! وقد تبرأ منه وطرده حتى أبيه وحرمه من الميراث، فعاش حياة الحرمان والفقر والاعتزال والخوف. ولم يستطع نشر أهم كتبه في حياته وما تم نشره في حياته تم وضعه في القائمة السوداء وحظرتْ الحكومة طبعها وبيعها، وتم اتهامه بالإلحاد وتضليل الناس، وقد قال بهذا الصدد: (من المؤسف أن عدداً كبيراً من الناس قد صدقوا هذه الإشاعة، واستغل بعض رجال الدين هذه الفرصة لتقديم شكوى ضدي للأمير والقضاة). من أبرز القضايا التي أثارت حفيظة رجال الدين ضد سبينوزا، أنَّه كان يعتقد بأنه لا يجوز لرجال الدين فرض طاعتهم على الناس، وأنَّ هذا الحق كان لنبي الله موسى وضمن ضوابط، ففي كتابه (رسالة في اللاهوت والسياسة)؛ يرى سبينوزا أنّ بداية تدهور الدين حتى أصبح مجرد خرافة مشؤومة، هو استيلاء الأحبار ورجال الدين على مقام أو خلافة نبي الله موسى (ع)، وتنصيب أنفسهم حكاماً على الأمة وقوّاماً على الدين. كذلك أثار حفيظتهم رفضه للشعار والطقوس، وقوله بأنّ الكتب المقدسة (التوراة والإنجيل) إنما كتبت بأيدٍ بشرية وليست كلها وحياً إلهياً، والاعتقاد بفكرة (وحدة الوجود)، مع أنه حاول بيان اللبس فيها بقوله: (على كل حال لقد أخطأ فهم أولئك الذين يقولون إن غرضي هو أن أبين أن الله والطبيعة شيء واحد، والقائلون بهذا يفهمون من لفظ الطبيعة كتلة معينة من المادة المجسدة، إنني لا أقصد ذلك).

    وقد أبدى سبينوزاعن رأيه في تعاليم الأنبياء ووصاياهم، قائلاً: (إنهم لم يُعلموا أي قاعدة أخلاقية لا تتطابق تماماً مع العقل. وليس من قبيل الصدفة أن يكون كلام الله الوارد لدى الأنبياء متوافقاً كلياً مع كلام الله الذي نشعر به في أعماق أعماقنا) [مدخل الى التنوير الأوربي].

    وبغض النظر عن تصويب أو تخطئة سبينوزا في آرائه ومعتقداته، ولكن لا يختلف اثنان في أنه كان من عمالقة الفكر والفلسفة، وقد حافظ على إيمانه بالله رغم كل ما واجهه من رجال الدين، ورغم كل ما اكتشفه من مشكلات وأخطاء في الكتب المقدسة. ولم يسلم حتى من العنف المسلح، فقد هاجمه رجل متدين ليلاً في الطريق وحاول قتله، وطعنه بخنجر في رقبته، ولكنه استدار هارباً والدماء تسيل من رقبته. وقال أحد المعاصرين له: (إن الناس كانوا يتحدثون عن سبينوزا باحتقار وكأنه كلب ميت). ويقول عنه الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز Gilles Deleuze (1925 – 1995): (ما وُجد فيلسوف على وجه الأرض أكثر كرامة منه ولا أكثر شهامة. ومع ذلك فلم يُشتم أي فيلسوف ولم يُكرَه مثلما شُتم وكُره هو) [المصدر السابق].

    يقول هاشم صالح في حديثه عن سبينوزا: (وبعد موته بخمسين سنة كتب أحد اللاهوتيين المسيحيين العبارة التالية لكي توضع كشهادة على الضريح: هنا يرقد سبينوزا. ابصقوا على قبره !! ...
    ولكن الهولنديين فهموا بعدئذ قيمته وراحوا يرفعون له تمثالاً في أشهر ساحاتهم العامة بالقرب من البيت الذي كان يسكنه في سنواته الأخيرة. ويرى البروفيسور جوزيف مورو ... أن ارنست رينان وجه إليه ثناءً حاراً في خطاب التدشين للتمثال وكان قد دُعي إليه مع حشد كبير من العلماء والمفكرين وختم خطابه بالكلمات التالية: ربما لم ير أحد الله عن كثب مثلما رؤي هنا من قبل سبينوزا !! فهذا الشخص اتهموه بالإلحاد كان حتماً أقرب الى الله – أي الى الحقيقة – من معظم رجال الدين في عصره .. وكان في استقامته، ونزاهته، وزهده في الحياة، مثلاً أعلى على الفكر الفلسفي).

    نعم، ارتفع نجم سبينوزا لاحقاً حتى نال اعجاب العلماء والفلاسفة وأجبرهم على الانشغال بمتابعة فكره وفلسفته وشرحها وتفصيلها، وحتى قيل عنه إنه وُلِد قبل عصره بقرون. ومع أنَّ عمره لم يتجاوز خمسة وأربعين عاماً، "فقد سجله التاريخ كأحد كبار الفلاسفة على مر العصور. فالساعة التي يعيشها سبينوزا تساوي سنة بالنسبة للآخرين، أو كما يقول الشاعر هنري ميشو: في كل ثانية محيطٌ من القرون". (المصدر السابق).

    يتبع إن شاء الله


    قال يماني ال محمد الامام احمد الحسن (ع) ليرى أحدكم الله في كل شيء ، ومع كل شيء ، وبعد كل شيء ، وقبل كل شيء . حتى يعرف الله ، وينكشف عنه الغطاء ، فيرى الأشياء كلها بالله ، فلا تعد عندكم الآثار هي الدالة على المؤثر سبحانه ، بل هو الدال على الآثار
  • نجمة الجدي
    مدير متابعة وتنشيط
    • 25-09-2008
    • 5279

    #2
    رد: هل سنخرج من عصور الظلام كما خرجت أوروبا؟ بقلم الشيخ ناظم العقيلي



    #هل_سنخرج_من_عصور_الظلام_كما_خرجت_أوروبا ؟
    الجزء الأول: عصور الظلام في أوروبا
    الحلقة الثانية

    انتهى القرن السابع عشر الميلادي وحلَّ القرن الثامن عشر، مصطحباً معه تياراً قوياً شرساً من المادية والإلحاد. فقد كانت فرنسا مركزاً أساسياً للفكر المادي الإلحادي في ذلك القرن، بقيادة زعيم الإلحاد آنذاك الفيلسوف دي هولباخ d'Holbach (1723 – 1789 م)، إذ كان يُلقب لدى معاصريه بـ (العدو الشخصي لله) ! لشدة هجومه على الدين والإيمان بالله ! وكان محاطاً بتلامذة ومعاونين مشهورين بالإلحاد أيضاً، أمثال: الفيلسوف الفرنسي دينيس ديدرو Denis Diderot (1713 – 1784 م). وجاك أندريه نجيون Jacques-André Naigeon (1738 - 1810 م)، وكلود أدريان هلفتيوس Claude Adrien Helvétius (1715 - 1771 م)، وغيرهم. تم شنّ هجوم عنيف جداً على الدين والإيمان، وتم استغلال كل أخطاء وسلبيات رجال الدين والمؤسسة الدينية ضد أي فكرة تتعلق بالدين والإله.

    وكان من أبرز الفلاسفة الذين وقفوا بوجه الإلحاد في القرن الثامن عشر هو جان جاك روسّو Jean-Jacques Rousseau (1712 – 1778 م(، صاحب كتاب (العقد الاجتماعي) الشهير. وقد تكلم الفيلسوف المؤرخ ديورَانت عن مجمل فكر روسو في مواجهة المادية بقوله: (فإذا كان العقل ضد الدين، فإن هذا ليس في جانب العقل أو مصلحته. فليس العقل قاضياً ينتهي بقوله كل زعم وادعاء. إذ أننا نميل بفطرتنا وشعورنا الى رفض الكثير من النتائج المنطقية التي ينتهي إليها العقل. ولا مبرر لرفض ما يمليه عليَّ شعوري وفطرتي لأستمع الى إملاء العقل المنطقي وحده، مع أن هذا العقل أحدث من ذلك الميل الغريزي عهداً وأضعف بناءً). ثم يعلق ديورَانت قائلاً:
    (هذا ما نادى به جان جاك روسو ... الذي وقف وحده في فرنسا يحارب المادية ويكافح الإلحاد الذي جاء به عصر التنوير) [قصة الفلسفة].

    لقد كان روسّو محامياً غيوراً على الدين والإيمان في وجه التشكيك والإلحاد الذي تنامى بشكل قوي في أوروبا عموماً وفي فرنسا بالخصوص. ولكن هل كان هذا الموقف القوي النبيل شافعاً له ليكف عنه قمع رجال الدين ؟ بعد أنْ نشر كتابيه (العقد الاجتماعي) و (إميل) في التربية، شنَّ عليه رجال الدين هجوماً كاسحاً بمساندة السلطة الحاكمة، بحجة أنّ كتب روسّو تخالف تعاليم وعقائد الدين المسيحي، وخصوصاً ما جاء في كتابه (العقد الاجتماعي) من نظرية (الدين المدني) بعيداً عن سلطة وتأثير المؤسسة الدينية، وكذلك ما جاء في كتابه التربوي (إميل) من أنَّ الإنسان يولد طيباً وخيراً بالفطرة، وهذا يخالف تعاليم الكنيسة في أن الإنسان يولد وهو يحمل الخطيئة. وقد حاججهم روسّو بأنَّ هذه العقيدة لم تُذكر في الإنجيل بشكل واضح، فلم يشفع له ذلك ولم يجد إذناً صاغية، باعتبار أنّ تفسير وتعاليم الإنجيل تؤخذ من رجال الدين حصراً !

    صدر إلقاء القبض على روسّو، واضطر للهرب من فرنسا الى سويسرا، وصدر الأمر بتمزيق واحراق كتابيه (العقد الاجتماعي) و (إميل)، ومنع طبعهما وتداولهما وقراءتهما، والتهديد بالعقوبات القاسية لمن يوجد عنده نسخ من هذين الكتابين، وبقي روسّو شريداً طريداً من مدينة الى أخرى ومن منزل الى آخر، وعاش حياة الخوف والذعر والفقر حتى آخر حياته.

    كان كتاب (إميل) كتاباً صغيراً من (29) صفحة لا غير، ولكنه زلزل الأرض تحت أقدام رجال الدين، مما دفع رئيس أساقفة باريس في عام 1762 م أنْ يكتب رسالة الى الكهنة ليتم قراءتها على الناس في البراءة من روسّو وكتابه، جاء في ختامها:
    (بعد استشارة عدة أشخاص عرفوا بورعهم وحكمتهم، وبعد التضرع لإسم الله القدوس، ندين هذا الكتاب لأنه يحوي تعليماً بغيضاً من شأنه أن يقلب القانون الطبيعي وأسس الدين المسيحي، وأنه يرسي مبادئ تناقض تعليم الأناجيل الخلقي، وينحو الى تكدير سلام الدول، وتزعم الثورة على سلطان الملك، ولأنه يتضمن الكثير جداً من الدعاوي الباطلة المفترية المفعمة بالحقد على الكنيسة ورعاتها .. لذلك نحظر صراحة على جميع الأشخاص في أسقفيتنا أن يقرأوا الكتاب المذكور أو يقتنوه، وإلا وقعوا تحت طائلة العقاب) [قصة الحضارة].

    وقد عبَّر روسّو عن أسفه ومرارته بعد كل هذا القمع والإرهاب بحقه، بعد أنْ كان هو الفيلسوف المحامي عن الله والدين، قائلاً:
    (فماذا أقول ؟ إن قلبي ينفلق، ويدي ترتعد، والقلم يسقط منها، وعليّ أن أصمت .. ويجب أن اجتر في الخفاء أشد أحزاني مرارة. فها هو الرجل الذي اجترأ في قرن اشتهر بالفلسفة، والعقل والإنسانية، على أن يدافع عن قضية الله، ها هو قد وسم، وحرم وطورد من بلد الى بلد، ومن ملجأ الى ملجأ، دون اكتراث لفقره، ولا رحمة لأمراضه).

    وأكد على تمسكه بإيمانه وعقيدة في وجه اتهامه بالكفر والإلحاد ومعاداة الدين، فقال:
    (فأنا مسيحي، مسيحي باخلاص، طبقاً لتعليم الإنجيل، لا مسيحي متلمذ للقساوسة، بل تلميذ المسيح) ثم أضاف: (إنني في سعادتي بالولادة في أقدس واعقل دين في الأرض، ما زلت متعلقاً تعلقاً لا انفصام فيه بايمان آبائي. وأنا مثلهم أتخذ من الأسفار المقدسة والعقل القواعد الوحيدة لإيماني) [المصدر السابق].

    وقد كتب روسّو مدافعاً عن كتابه (إميل) ومطالباً بالإنصاف وبحرية الرأي، في كلام محزن حقيقة، فقال:
    (هبني أرتكبت بعض الأخطاء، لا بل كنت دائماً مخطئاً، أفلا شفاعة لكتاب يشعر المرء في كل جزء فيه – حتى في أغلاطه وحتى في الضرر الذي قد يكون فيه – بالحب الصادق للخير وبالغيرة على الحق ؟ .. كتاب لا يشع غير السلام، واللطف، والصبر، وحب النظام، وطاعة القوانين في كل شيء، حتى في أمر الدين. كتاب تؤكد فيه قضية الدين تأكيداً رائعاً، وتحترم فيه مكارم الأخلاق احتراماً كبيراً .... ويصور الشر فيه على أنه حماقة، والفضيلة على أنها شيء محبب للنفوس ... أجل، إنني لا أخشى أن أقولها .. فلو أن في أوربا حكومة واحدة مستنيرة حقاً .. لخلعت على مؤلف إميل أسباب التشريف العلنية، ولأقامت له تمثالاً .. ولكن خبرتي الكبيرة بالبشر تمنعني من أن أتوقع تقديراً كهذا وأنا لم أعرفهم معرفة تكفي لأن أتوقع ذلك الذي أتوه). [المصدر السابق].

    يعلق الفيلسوف ديورَانت في كتابه (قصة الحضارة) على كلام روسّو هذا، قائلاً:
    (ولكنهم أقاموا له التماثيل).

    نعم، أقاموا له التماثيل، وذاع صيته في الآفاق، وتغنى به المفكرون والناس، وصارت كتبه أناجيل السياسة والاجتماع حتى يومنا هذا، ولكن بعد ماذا ؟! بعد أنْ فارق الحياة، وبعد أنْ قضى حياته مشرداً هائماً على وجهه، تحصبه الناس بالحجارة، وينعتوه بـ (عدو المسيح، والكفر، والإلحاد، والانحراف، والفساد) وغيرها من التهم الجاهزة التي اعتاد الكهنة والقساوسة وأتباعهم إلصاقها بكل من يخالفهم أو يترك الخنوع والخضوع لكل أقوالهم ! حدث كل هذا لجان جاك روسّو لأنّه قال لهم أنا تلميذ المسيح وكتابي الإنجيل، ولست تلميذاً للقساوسة ولا تلزمني تفسيراتهم للدين والأناجيل. هذا، لكي نعرف أنَّ في كل عصر ومكان يتم محاربة المصلحين والمفكرين، لا لكفر أو بدعة أو إلحاد بل لمخالفة اجتهاد حضرة الكاهن أو البابا أو الفقيه، ولله في خلقه شؤون !

    ربما أغلب الناس ينظرون الى العلماء أمثال سبينوزا وروسّو وغيرهم من جهة بعض آرائهم وأفكارهم العلمية والفلسفية والاجتماعية التي هي محل نقاش، أو باعتبارهم فلاسفة معادين للدين ! وكأننا ما زلنا ننظر بعين كنيسة القرون الوسطى، وكأنَّ سلطة رجال الدين ما زالت متحكمة في عقولنا، فنُشيطن ما يعتبرونه شيطاناً، اتباعاً وتقليداً لهم، وكأنّ الله قد وهبنا العقل ليكون موصّلاً جيداَ لما في عقول الكهنة والرهبان فحسب ! لكي نكون منصفين وأحراراً في اتخاذ القرار والموقف تجاه الآخرين؛ يجب أن نتحلى بالحياد والنظر الى الموضوع من كل جهاته، فقد كان هؤلاء العلماء والفلاسفة في أزمة ومحنة كبيرة لا ينجو منها إلا من عصمه الله. فقد عاشوا في عصر متلاطم الأمواج من أكثر من جهة، فمن جهة شهد عصرهم أقوى موجة تشكيك بالدين والإيمان تبلورت عن تيار قوي من المادية والإلحاد، ومن جهة كارثة ومصيبة المؤسسة الدينية وأتباعها آنذاك، حيث قدَّمتْ الدين بصورة مقززة ومنفّرة بل ومدعاة للسخرية أحياناً ! في الحقيقة كان سلوك وسيرة رجال الدين في ذلك العصر أكبر ضرراً وفتكاً بالدين من الإلحاد والمادية، بل لعلّ السبب الأساس في تحوّل أغلب الفلاسفة الى موقف الشك والإلحاد هو سلوك وفكر الكنسية ورجالها في ذلك الزمن، حيث كانوا فعلاً عقبةً كؤوداً في طريق الناس الى الدين الإلهي الحق.

    ولذلك نرى أنَّ الفلاسفة الأحرار قد قاموا بواجبهم في نقد الدين التقليدي المعاصر لهم، وكانوا على وعي تام بخطورة الموقف وفداحته، مع أنه لم يكن في زمنهم نبي مرسل ولا إمام ظاهر، نعم كانت هناك مؤسسة تدّعي تمثيل السماء، ولكنها قلبت الدين رأساً على عقب للأسف الشديد !

    تراجع نفوذ الكنسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر بشكل ملحوظ، ولكنها ما زالت بالقوة التي تضطر كثير من الفلاسفة الى نشر كتبهم بأسماء مستعارة أو بأسماء علماء متوفين ليتجنبوا بطش رجال الدين والحكّام أيضاً، ولكن كانت هناك مساحة من الحرية لنقد الدين التقليدي بشكل أو بآخر، استغلها الفلاسفة المؤمنون والملحدون على حد سواء لنقد دين الكنيسة وسلوك رجال الدين حتى وصل الأمر الى الاستهزاء والسخرية ! كان الفيلسوف الفرنسي فولتير Voltaire (1694 – 1778 م) من أبرز وأشهر فلاسفة القرن الثامن عشر، وقد أفنى حياته في مواجهة كارثتين في عصره، الكارثة الأولى هي الكنيسة، والكارثة الثانية هي الإلحاد. أبرز ما يميز فولتير دفاعه عن حرية التعبير والفكر والعقيدة، واشتهر عنه مبدأه القائل: (أنا لا أتفق معك في كلمة واحدة مما قلته، ولكني سأدافع عن حقك في الكلام وحرية التعبير عن أفكارك حتى الموت) [قصة الفلسفة].

    يتبع إن شاء الله
    قال يماني ال محمد الامام احمد الحسن (ع) ليرى أحدكم الله في كل شيء ، ومع كل شيء ، وبعد كل شيء ، وقبل كل شيء . حتى يعرف الله ، وينكشف عنه الغطاء ، فيرى الأشياء كلها بالله ، فلا تعد عندكم الآثار هي الدالة على المؤثر سبحانه ، بل هو الدال على الآثار

    Comment

    • نجمة الجدي
      مدير متابعة وتنشيط
      • 25-09-2008
      • 5279

      #3
      رد: هل سنخرج من عصور الظلام كما خرجت أوروبا؟ بقلم الشيخ ناظم العقيلي

      #هل_سنخرج_من_عصور_الظلام_كما_خرجت_أوروبا ؟
      الجزء الأول: عصور الظلام في أوروبا
      الحلقة الثالثة: عصر الفيلسوف فولتير

      كان فولتير ثائراً عنيداً جداً في وجه الدين السائد، وقد رفض أهم مضامين المسيحية كالثالوث وتجسد المسيح والفداء وصكوك الغفران وغيرها، وشجب بقوة أساليب القمع والظلم لدى المتدينين في عصره؛ إلا أنَّه قد اشتهر عنه مقولته ذائعة الصيت: (إذا لم يكن الإله موجوداً فيجب أن نبتدعه، ولكن الطبيعة بأسرها تصيح فينا أنه موجود فعلاً). بل لم يغب عنه حتى موضوع (المخلص المنتظر)، "وفي السنوات العشر الأخيرة من حياته كتب ضد الإلحاد قدر ما كتب ضد الديانة التقليدية".

      يقول ديورَانت في كتابه الموسوعي (قصة الحضارة):
      (إن فولتير لم يكن من السذاجة بحيث يتصور أن الدين اخترعه القساوسة والكهنة، بل على النقيض من ذلك كتب في القاموس الفلسفي: "إن فكرة الإله مستمد من الشعور، وذاك المنطق الطبيعي الذي يتكشف بتقدم العمر، حتى في أغلظ البشر قلباً ... ولكن التفاسير والتأويلات والطقوس كانت من عمل الكهنة. وبمرور الزمن لعب الكهنة على خوف الناس واستغلوه ليبسطوا سلطانهم وقوتهم. واقترفوا كل ضروب الخداع واللؤم، حتى إلى حد إعدام (المهرطقين) وقتل جماعات بأسرها، والقضاء على الأمم تقريباً". وانتهى فولتير إلى القول: "لقد كرهت الكهنة، وأنا الآن أبغضهم، وسأظل أبغضهم إلى يوم الحساب").

      لم يكن فولتير ملحداً ولا مبغضاً لله أو لأصل الدين والإيمان، وكان هذا ظاهر حاله على أقل تقدير، بل كان يقوم بمهمة الإصلاح والثورة في وجه الانحراف الديني، الذي يشوّه الدين ويلقي بالناس في أحضان الشك والإلحاد، ولا شك أن هذه هي رسالة وثورة الأنبياء والرسل على فقهاء السوء في كل زمان، فقد كانت المواجهة الأولى للأنبياء مع المؤسسة الدينية في زمانهم، وهكذا هي سنة الله جارية دائماً، كما حصل مع نبي الله موسى وعيسى ومحمد (ص) على سبيل المثال. لقد جاهد فولتير في اصلاح ما أفسده الكهنة والبابوات، وكأنه يقاتل بسيفين، سيف يقارع به رجال الكنيسة، والسيف الآخر يقارع به أئمة الإلحاد، ومع ذلك لم يخلُ من التقلبات والأخطاء والزيغ هنا أو هناك.

      في كتابه (الله في الفلسفة الحديثة) يقول الكاتب جيمس كولينز James Collins:
      (... غير أن جملة الشواهد تدل على التزامه المخلص بنمط من مذهب الألوهية الفلسفي يعادي المسيحية والالحاد على حد سواء. فمن كتبه ومراسلاته، وكذلك من ذلك الاختيار المرير لاستعداده على تقبل السخرية من زملائه الفلاسفة، يبدو لنا فولتير معتنقاً للألوهية ومعادياً للوحي الخارق للطبيعة، ومعارضاً في الوقت نفسه لأية محاولة ترد معتقداته الى نزعة طبيعية ملحدة. فهو يحاول – مع روسو – أن يشق سبيلاً وعراً بين الكنيسة وبين مجمع "دولباك" من الملحدين).

      وفعلاً كان فولتير ليس غبياً بالمستوى الذي لا يفرق بين الدين الإلهي الحق ودين الكهنة وبابوات الكنيسة، الذي تمخض عن الخرافات والظلم والاستبداد ومحاربة العلم والتقدم. نجد هذا التفريق واضحاً في رسالة فولتير الى زعيم الإلحاد في وقته دي هولباخ، جاء فيها:

      (لقد قلت أنت إن الإيمان بالله … قد ساعد في إبعاد بعض الناس عن ارتكاب الجرائم، إن هذا وحده يكفيني، فإذا كان هذا الإيمان يمنع من وقوع عشرة اغتيالات وعشرة وشايات، فإنه يجعلني أتمسك بأن يؤمن كل العالم بهذا الدين، إنك تقول إن الدين قد سبب أيضاً في كوارث لا حصر لها وكان الأجدر بك أن تقول: الخرافات الدخيلة على الدين التي تتحكم في عالمنا البائس. هذه الخرافات والأساطير هي أقسى عدو لنا يصرفنا عن عبادة الله عبادة خالصة تليق به. دعنا نمقت شبح الخرافات التي أدخلت على الديانات فشوهتها. وأولئك الذين يحاربون الخرافات هم أصحاب الفضل في الجنس البشري. إن هذه الخرافات ثعبان يهز الدين في حضنه، ويجب علينا سحق رأسه من غير أن نجرح الأم التي تطعمه) [قصة الفلسفة].

      جدير بالذكر أنَّ فولتير كان من ضمن المواظبين على حضور مجالس وندوات دي هولباخ في باريس، وكان من الفاعلين فيها في الحملة ضد الدين التقليدي آنذاك بحماس شديد، ومع ذلك لم يجنح إلى تيار مهاجمة الإله أو رفض كل أشكال الدين، وكان يشاركه هذا الموقف كثير من الملحدين المعتدلين واللاأدرية والمتدينين الناقمين على أساليب الكنيسة ورجال الدين في القمع والإرهاب والحجر على حرية الرأي والفكر.

      في كتابه قصة الحضارة يقول ديورَانت: (ويجدر ألا نفهم الفلسفة على أنها ضد الدين أو أنها تتعارض معه، وينبغي أن نفسح في النظرة الواسعة للحياة مجالاً للدين ... كما ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الفيلسوف قد يعارض الديانات القائمة من حوله، ومع ذلك، مثل فولتير، يتمسك الى النهاية بالإيمان وبالله. إن الجدل الذي هاج مشاعر الطبقات المفكرة في نصف القرن الذي سبق الثورة الفرنسية لم يكن مجرد صراع بين الدين والفلسفة، بل كان بالدرجة الأولى بين الفلاسفة والمذهب الكاثوليكي المسيحي كما وجد في فرنسا آنذاك، إنه الغيظ المكظوم في قلوب الفرنسيين لقرون طويلة من جراء ما لطخت به الديانة سجلها من الوقوف في وجه التقدم والمعرفة والاضطهادات والمذابح. وبلغ الفعل أقصى مداه ...).

      ويؤكد هذه الحقيقة الماركيز دارجنسون Marquis d'Argenson (1694 – 1757 م) بقوله : (قد يكون من الخطأ أن نعزو ضياع الدين في فرنسا الى الفلسفة الإنجليزية التي لم تكتسب أكثر من مائة فيلسوف في باريس، بدلاً من إرجاعه الى الكراهية التي أضمرها الفرنسيون لرجال الدين الى أقصى الحدود) [المصدر السابق].

      لم يكن أمام الفلاسفة والمفكرين المؤمنين من حلّ سوى عزل الدين عن سلطة ونفوذ الكهنة والقساوسة، أو على الأقل اعتبار المؤسسة الدينية كظاهرة ونتاج بشري لتفسير الدين، وليس بالضرورة أن تكون هي ذات دين الله أو الممثلة لإرادة وسلطة الله في الأرض، وكل ما يخالفها من فكر فهو كفر وإلحاد. وهذا ما فعله سبينوزا عندما أكدّ على ضرورة عزل سلطة الكهنة حتى عن تفسير الكتب المقدسة وتقرير الدين الصحيح للمؤمنين، فضلاً عن إبعادهم عن السلطة السياسية. وهذا أيضاً ما فعله جان جاك روسّو في كتابه (العقد الاجتماعي)، عندما أسس لما يعرف بـ (الدين المدني). لأنهم على ما يبدو كانوا على قناعة تامة بأنّ إيكال السلطة السياسية لرجال الدين، والتعامل معهم على أنهم مقدسين وخلفاء الله في الأرض، له بالغ الضرر والخطر على الدين نفسه وعلى الحياة المدنية والتطور والرفاه الاجتماعي. وهذا ما حصل واقعاً وذاقت منه الشعوب المرارة التي تتفطر منها القلوب ! ولذلك كان فولتير يؤكد على الالتزام بثلاثة أمور: (أعبد الله وكن عادلاً وأحب وطنك).

      يقول ديورَانت في قصة الفلسفة: (إن التفريق بين الخرافات والدين أمر أساسي بالنسبة الى فولتير. وهو يضفي على المسيح الصفات السامية والعظيمة التي لا تضاهيها صفحات النشوة والغيبوبة المقدسة. ويصور المسيح بين الحكماء يبكي على الجرائم التي ارتكبها الناس باسمه. وقام فولتير أخيراً ببناء كنيسة قال عنها إنها الكنيسة الوحيدة التي بنيت في أوروبا لعبادة الله، ويتجه الى الله بصلاة جليلة وفي مقاله "المؤمن بالله" نجده يعبر أخيراً عن إيمانه بوضوح).

      بسبب نفور الناس من الصورة الدينية التي تقدمها المؤسسة الدينية آنذاك، وبسبب ما تتضمنه من خرافات وتناقضات وتصورات تنافي العقل والأخلاق أحياناً، ونتيجة ما مارسته الكنيسة من ثراء فاحش على حساب المواطنين من دون حق شرعي، ناهيك عن القمع وسفك الدماء والقسوة التي مارستها (محاكم التفتيش) وغيرها من الجهات والشخصيات التابعة أو المرتبطة بالمؤسسة الدينية؛ كل هذا قد شكَّل بلا شك الدافع الأساس في نفور الناس من الدين وخصوصاً المفكرين والعلماء منهم، وبلغ كُره الناس لرجال الدين حدّاً جعلهم يسخرون منهم في الشوارع والنوادي، وتناولوا ذكرهم كمادة للتَندُر والفكاهة ! حتى أطلق فولتير شعاره المشهور (اسحقوا العار) ! وقد عرضت عليه الكنيسة (قبعة كردينال) في محاولة لكسبه وتسوية الأمر معه، ولكنه رفض العرض، كما يذكر المؤرخ ديورَانت.

      تشتت المؤمنون بالدين المسيحي عن دين آبائهم في ذلك العصر، وتشكلت أبرز أربعة تيارات، تيار نبذ الدين التقليدي المؤسساتي وتوجه لنقد رجال الدين أو الاعراض عنهم، مع التمسك بالمسيحية والأناجيل مع التحفظ عليها في بعض الموارد، وتيار اعتنق الإلحاد والمادية ورفض الدين تماماً ووقع في ما يشبه تألّيه وعبادة الطبيعة، وتيار اتخذ موقف اللاأدرية فلم يتخذوا موقف الإيمان ولا موقف إعلان الكفر أو الإلحاد التام، وصنف رابع شكَّل ما يُعرَف بـ (الدين الطبيعي) أو (الربوبية) حيث ذهبوا الى الايمان بإله خالق ومبدع للكون والحياة، ولكنهم لم يؤمنوا بالأنبياء والشرائع، وزعموا أنهم قادرين على معرفة الله وتنظيم الحياة بالعقل وحده، وأنه ليس من شأن الله التدخل في حياتهم الشخصية. وكان هذا فيما بعد عقيدة علماء كبار مثل الفيزيائي الشهير ألبرت آينشتاين Albert Einstein (1879 – 1955) على ما يبدو.

      وقد أشار آينشتاين الى موقف الكنائس بوجه العلم والتقدم، ولكنه في نفس الوقت لا يعتبر ذلك مبرراً لإنكار الخالق العظيم، بل أكدّ على أنّ الإيمان هو المحرّك الأبرز نحو العلم والتقدم، بقوله:
      (ليس صعباً أن نفهم لماذا حاربت الكنائس العلم دائماً واضطهدت مناصريه. ومن ناحية أخرى أنا أؤكد أن الشعور الديني الكوني هو الباعث الأقوى والأنبل للبحث العلمي ... إن ما يعطي الإنسان هذه القوة أو العزيمة إنما هو الشعور الديني الكوني، ولم يجانب الصواب أحد المعاصرين حين قال: "إن المشتغلين المخلصين في ميدان العلم هم الناس الوحيدون المتدينون بعمق) [الدين من منظور فلسفي، روبرت س. سولمون].

      ينقل لنا والتر إيزاكسون Walter Isaacson في كتابه (آينشتاين، حياته وعالمه) عدة تصريحات لآينشتاين بخصوص عقيدته وإيمانه، لا بأس بنقل بعضها:
      يقول آينشتاين: (كل من يرتبط ارتباطاً حقيقياً بالأنشطة العلمية يقتنع بأنه توجد روح تتجلى في قوانين الكون، وهي روح أعظم بكثير من روح الإنسان، وهي روح ينبغي على البشر بقواهم المتواضعة أن يشعروا بالضعة أمامها. وبهذه الطريقة تقود الأنشطة العلمية الى خلق شعور ديني من نوع خاص عند من يقومون بها وهذا الشعور يختلف تمام الاختلاف عن تدين الشخص الأقل علماً).

      ونقد الملحدين بشدة قائلاً: (إن الملحدين المتعصبين شأنهم شأن العبيد الذين لا يزالون يشعرون بثقل سلاسلهم التي نُزعت عنهم بعد نضال شاق. إنهم مخلوقات عاجزة عن سماع صوت موسيقى السماوات بسبب ما يكنونه في صدورهم من حقد على الدين المتوارث مما يجعلهم مثل أفيون الجماهير).

      وامتعض آينشتاين من استغلال الملحدين لاسمه لدعم فكرهم، فقال: (هناك أشخاص يقولون بعدم وجود إله، على أن ما يغضبني كثيراً هو أنهم يستشهدون بي لدعم وجهات النظر هذه).

      ثم يلخّص آينشتاين العلاقة الضرورية بين الدين والعلم، فيقول: (العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى).

      إنّ الكثير من أمثال آينشتاين ومن قبله كوبرنيكوس وجاليليو وسبينوزا وروسّو وفولتير وغيرهم، قد أدركوا الفرق بين التدين الكنسي الذي لا يمثل دين الله بالضرورة وبين الدين الإلهي بصورة عامة أو عقيدة الإله الخالق للكون والحياة. ولكن الكثير أيضاً قد غاب عنهم ذلك أو تجاهلوه فوقعوا في فخ الشك والإلحاد والمادية المقيتة، التي تسببت بشكل أو بآخر في إبادات جماعية وقمع وقتل فظيع أودى بحياة عشرات الملايين من البشر وتسبب بمجاعات أنهكت الشعوب ودمرتها، وخصوصاً ما حصل في القرنين التاسع عشر والعشرين. ولم ترَ البلدان الأوروبية وأمثالها رفاهية الحياة والتقدم الذي يصب في مصلحة الشعوب إلا بعد التوجه نحو مغادرة سلطة ونفوذ الكنيسة وتجاوز أيديولوجيا التطرف والعنصرية واستعباد الشعوب والاستخفاف بالأرواح المتولد عن الإلحاد والمادية المتصلبة.

      تقول الكاتبة البريطانية الشهيرة كارين آرمسترونغ Karen Armstrong في كتابها (حقول الدم):
      (تحدث الوجودي الفرنسي جان بول سارتر (1905 – 1980 م) عن فراغ على شكل الله في الوعي الإنساني، عن فراغ في قلب الثقافة الحديثة. في منتصف القرن العشرين، امتلأ هذا الفراغ بالواقع الرهيب. ما بين 1914 و1945 م، مات سبعون مليون إنسان في أوروبا والاتحاد السوفياتي بسبب العنف. وارتكب الألمان بعض أسوأ الفظائع في التاريخ، وهم يعيشون في أكثر المجتمعات تطوّراً في أوروبا. لقد صدمت الهولوكوست التنويرَ المتفائل بأن التعليم سيمحو البربرية، ذلك أن الهولوكوست أظهرت أنّ معسكرات الاعتقال يمكن أن توجد بالقرب من أعظم الجامعات. كان العدد الهائل للقتلى في حملات الإبادة النازية مديناً للحداثة؛ فلم يمتلك أي مجتمع في السابق مثل هذه القدرة على تنفيذ خطة إبادة محكمة بهذا الحجم ... تُظهر الهولوكوست لنا ما الذي يمكن أن يحدث حين تغيب فكرة قداسة الحياة الإنسانية لكلّ فرد، هذا الفكرة التي كانت حاضرة في قلب كلّ الأديان التقليدية، والتي لا تستطيع الأنظمة القومية شبه الدينية، أو ترفض، أن تعيد بعثها من جديد).

      تحتم المسؤولية الأخلاقية والتاريخية على كل المؤسسات الدينية البشرية أنْ تعلن للعالم وبشكل واضح وصريح، أنها لا تتصف بالعصمة ولا تمثل إرادة الله الحقة دائماً، وأنها لا تُستثنى من النقد الموضوعي، ولا تمثل سوى فهماً بشرياً للدين معرضاً للصواب والخطأ، لكي نستنقذ عباد الله من القمع والظلم والإرهاب باسم الله وباسم السماء والمقدسات، وكأنّ دين الله تجلَّى في مؤسسات وعوائل وشخصيات يمتلكون الحقيقة المطلقة التي تُقطع دونها الرقاب وتُزهق الأرواح، قربة لله طبعاً ! مع أنّ هذا الأمر لم يمارسه حتى الله سبحانه، فقد قال الله سبحانه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. وقال أيضاً: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}. وقال في تخفيف الحزن عن رسوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}.

      لاحظَ الفيلسوف الألماني هيجل Hegel (1770 – 1831 م)، مشكلة الخلط بين الدين الإلهي وبين التدين المتجسد في المؤسسة الدينية (الكنيسة)، عندما أكدّ على ضرورة أنْ تميز الدولة بين السلطة المادية والإيمان لأنْ الإيمان الديني حرية شخصية، وفي المقابل أكدّ كذلك على ضرورة أنْ تفصل الكنيسة بين عمومية فكرة الدين من الدين الموجود في الكنيسة نفسها، ولنقرأ كلامه كما يقرره الكاتب الفلسطيني الدكتور عزمي بشارة، إذ يقول:

      (وكي تتعرف الدولة الى ذاتها باعتبارها تجسّداً للأخلاق والأعراف في الواقع، عليها أن تميز الإيمان من ممارسة السلطة المادية. وكي يكون تمييز الدولة من الكنيسة ممكناً، لابد من أن يكون ثمة تمييز في داخل الكنيسة نفسها بين عمومية الإيمان وخصوصية وجوده في الكنيسة وجزئيته، أي إن شرط الفصل ليس تمييز الدولة الإيمانَ من السلطة المادية فحسب، وإنما أيضاً تمييز الكنيسة عمومية فكرة الدين من وجوده المخصوص في الكنيسة).
      يتبع إن شاء الله
      قال يماني ال محمد الامام احمد الحسن (ع) ليرى أحدكم الله في كل شيء ، ومع كل شيء ، وبعد كل شيء ، وقبل كل شيء . حتى يعرف الله ، وينكشف عنه الغطاء ، فيرى الأشياء كلها بالله ، فلا تعد عندكم الآثار هي الدالة على المؤثر سبحانه ، بل هو الدال على الآثار

      Comment

      • نجمة الجدي
        مدير متابعة وتنشيط
        • 25-09-2008
        • 5279

        #4
        رد: هل سنخرج من عصور الظلام كما خرجت أوروبا؟ بقلم الشيخ ناظم العقيلي



        #هل_سنخرج_من_عصور_الظلام_كما_خرجت_أوروبا ؟
        الجزء الأول: عصور الظلام في أوروبا
        الحلقة الرابعة: فساد الكنيسة/محاكم التفتيش

        ساءت سمعة الكنيسة جداً في العصور المظلمة حتى القرن الخامس عشر، واستمر الحال في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ولكن بدأ أفول الكنسية وانحسار نفوذها، وافترقت الكنيسة الى عدة فرق متناحرة، وبدأ التخفيف من القمع والإجرام مقارنة بالعصور المظلمة، وخصوصاً مع صعود نفوذ سلطة الدولة المدنية، وتخلِل القانون المدني تدريجياً ليحد من نفوذ الكنيسة وصلاحيات (محاكم التفتيش) وخصوصاً في الجانب التنفيذي، أي تنفيذ الأحكام بحق ما يُسمى عند الكنيسة بـ (المهرطقين) المخالفين أو الناقدين لتعاليم وسلوكيات الكنيسة الكاثوليكية آنذاك. كانت محاكم التفتيش كابوساً مرعباً يفوق الوصف. وإن كان بعض الباحثين يرى أن الموضوع قد تعرّض للمبالغة فيه من قبل طائفة البروتستانت والتيار العلماني والمادي؛ لكن لا أحد ينكر وقوع الجرائم والقمع المريع واجبار اليهود والمسلمين على ترك أديانهم واعتناق المسيحية الكاثوليكية فضلاً عن البطش بكل من يُتهم بالانشقاق عن الكنسية أو نقدها !

        تعود جذور إنشاء محاكم التفتيش الى القرن الثاني عشر الميلادي، ضد ظاهرة المهرطقين التي ظهرت واستفحلت في ذلك القرن. يكتب الدكتور رمسيس عوض في كتابه (محاكم التفتيش) أنه بسبب إخفاء المتهمين لعقائدهم وتحلي بعضهم بالذكاء والقدرة على المراوغة؛ تم اللجوء الى ما يسمى بـ (المحنة) أو المحاكمة والاختبار بالتعذيب Trial by Ordeal للتأكد من برائتهم أو ثبوت تورطهم. وكانت هكذا محاكمات غاية في الغرابة والقسوة، حيث تستخدم فيها عدَّة وسائل إجرامية بحق المتهمين، منها أن توضع كرة ملتهبة أو قطعة من الحديد المحمى في يدي المتهم ليسير بها مسافة تسع خطوات فإذا تقيحت جروحه فهذا دليل على ثبوت التهمة عليه ! أو أن توضع يده في ماء مغلي، ويقوم القسيس بتقييد المتهم لثلاثة أيام يفحص القسيس بعدها المتهم، فإذا ظهرت أعراض التقيح على يديه فهي إشارة من الله الى ثبوت الذنب على المتهم، وإذا لم تظهر عليه أعراض التقيح فهذا دليل برائته ! أو يتم إلقاء المتهم في ماء مثلج فإذا غاص فيه فهو برئ وإذا طفى فوقه فيعتبر هذا دليل إدانته ! وكانت هذه الاختبارات خارج العالم الانجلو ساكسوني (إنجلترا وألمانيا) تتخذ أشكالاً أخرى منها وضع عصابة على عيني المتهم حتى يسير معصوب العينين بين محاريث ملتهبة مثل الجمر، فإذا كان المتهم بريئاً وفقه الله ألا يحترق بجمرها وإلا فإن المحكمة تعتبره مذنباً، وقد أقرَّت الكنيسة هكذا محاكمات، وكانت تجري بعد القدّاس ! (محاكم التفتيش، بتصرف]

        في القرن الثالث عشر بدأت السلطات المدنية بالتدخل في صلاحيات محاكم التفتيش، ولكن هذا لا يعني تحول محاكم التفتيش عن وظيفتها في قمع المنشقين والناقدين للكنيسة الكاثوليكية، بل استمر مسلسل تعذيب وحرق وسجن المهرطقين بنظر الكنيسة، وهدم المنازل ومصادرة الأموال وحرمان ورثة المهرطقين من الميراث، حتى وصال الحال الى جرائم يندى لها الجبين كنبش قبور المهرطقين الذين لم يقام بحقهم العقاب، واستخراج جثثهم وحرقها وسحلها في الشوارع والتمثيل بها، في مشهد تترفع عنه كثير من الوحوش الضواري ! يذكر الدكتور رمسيس أنه قد (أصدرت محكمة التفتيش في كاركاسون عام 1329 م أمراً بنبش قبور سبعة مهرطقين واستخراج عظامهم وحرقها لأنهم ماتوا قبل الوفاء بالعقوبة المفروضة عليهم ولم تكتف محكمة التفتيش بذلك بل صادرت أملاكهم وأملاك ورثتهم) [محاكم التفتيش].

        وقد (اعترف المحقق برنارد جوى أنه قام في فترة عمله في محكمة تفتيش تولوز في عام 1308 حتى عام 1323 بإعدام ما لا يقل عن ستمائة وسبعة وثلاثين مهرطقاً. بالإضافة الى سبعة وستين مهرطقاً صدر حكم نبش قبورهم وإخراج بقاياهم منها لإشعال النيران فيها نظرا ًلأن معظمهم مات قبل أن يتراجع عن هرطقته) [محاكم التفتيش].

        وقد أوقعوا بالفيلسوف اللاهوتي والمصلح الديني التشيكي جون هوس Jan Hus (1369 – 1415 م)، جريمة تقشعر لها الأبدان، حسب شاهد عيان ينقل لنا شهادته الدكتور رمسيس. فقد تم ربطه بالحبال والسلاسل (ثم جمعوا حوله كومة من الحطب والتبن وصل ارتفاعها الى ذقنه. وتقدم الكونت بالاتين لويس المشرف على تنفيذ الحكم وبرفقته مارشال كونستانس وطلبا منه للمرة الأخيرة أن يتراجع عن هرطقته. ولكنه رفض فرجعا الى الوراء وصفقا بأيديهم وبذلك أعطيا إشارة البدء للجلادين لإضرام النار في الكومة. وبعد خمود النار جاءت عملية مثيرة للتقزز والغثيان وهي تدمير الجسد نصف المحترق عن آخره. وقام الجلادون بفصل أجزاء الجسم عن بعضها وتكسير العظام والقاء هذا الأجزاء في نار أخرى من قطع الخشب السميك أوقدت لهذا الغرض، حتى لا يتبقى من جسد الضحية شيء يمكن الاحتفاظ به قام الجلادون بعد انطفاء النار بجمع الرماد المتبقي والقائه في تيار ماء جار) [محاكم التفتيش].

        هذه نماذج قليلة جداً من فعاليات الكنيسية والجهات والأشخاص المنتمين لها، وما خفي كان أعظم. وأما ثراء الكنيسة والبابوات الفاحش فحدث ولا حرج . يذكر جورج مينوا Georges Minois عن البابا جان الثاني والعشرين (كان منبتُه في مدينة كاهورس، مدينة أرباب المصارف، وكان يعيش حياة ترفٍ، ويزيد الضرائب البابوية وينساق الى مذهب المحسوبية الأشد سفاهة، ويكدس الأموال، بحيث استطاع أن يترك لورثته أربعة وعشرين مليوناً من الدوكات [نقدٌ ذهبي قديم من البندقية]) [الكنيسة والعلم].

        في القرن الرابع عشر فتح الفيلسوف الإنجليزي غيوم الأوكّامي Guillaume d'Occam معركة ضد الكنيسة وفساد البابوات، وكان أهم جوانب هذه المعركة هو نقد الفساد المالي للمؤسسة الدينية، وكان يؤكد علناً على أنَّ (يسوع المسيح، إذ أشار الى طريق الكمال [الروحي]، وإذ سار الرسل خلفه لكي ينشروا ذلك في العالم، ما كان لهم أي شيء من حق الملكية، لا فردياً ولا جماعياً) [المصدر السابق].

        لعلَّ أهم وأبرز ما يميّز المرجعية الدينية المُمثلة لإرادة السماء أو المُتبعة لتعاليم الله سبحانه؛ هو أنّ تتماهى وتتشابه مع الأخلاق والتعاليم الإلهية. فكل الأديان التوحيدية تصف الله بالرحيم العطوف الودود، الذي لا يجازي الإحسان بالإحسان فحسب، بل يجازي الإساءة بالإحسان. لذلك عندما تواجه الناس مرجعية دينية تطغى عليها صفة القسوة والقمع والانتقام؛ تكون ردة الفعل – بوعي أو بلا وعي – هي النفور والابتعاد أو تصدع وتفكك الرابطة الروحية بينهما على أقل تقدير. يبدو أنّ العامل الأساس في ذلك هو أنّ الله قد ركَّب في فطرة الإنسان التوق الى الحرية والانعتاق، والتمرد ضد ما يُفرض عليه من قيود تتجاوز إرادته وقراراته الذاتية.

        ولعلّ هذه الفطرة الإنسانية والنزوع نحو الحرية والتحرر، هي السلاح الأقوى الذي زوَّد الله بها الإنسان، ليواجه ويجتنب الفخاخ التي تقع في طريقه نحو الوصول الى المعبود والمُطاع الحقيقي. فالمسير نحو الحقيقة المطلقة مليء بالفخاخ والمخادعين والمنتحلين للألوهية وتمثيل السماء. وسيكون من السهل أنْ ينخدع بهم الإنسان ويأنس إليهم إنْ لم يكن مزوَّداً بـ (متحسس) يكشف ولو نسبياً عن ارتباط مدَّعي الإمامة والرئاسة الدينية بالله. فكان أبرز ما يعانق قلب الإنسان هو المحبة والرحمة والإحسان. ولعلّ هذا يكشف لنا السر في تنبيه الله سبحانه لنبيه محمد (ص) بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، وهذا أيضاً ما ملأ سيرة وأقوال نبي الله عيسى (يسوع) وغيره من الأنبياء، وقد توَّج الله محمداً (ص) بتاج الخلق العظيم بقوله {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. ولا شك أنْ ظاهرة القسوة والقمع ومصادرة إرادة الإنسان بطرق فجّة؛ يتنافى مع الأخلاق ومع الرحمة والمحبة، فلا غرابة من نفور الإنسان بشكل فطري وطبيعي من الرجال أو الجهات التي تدّعي تمثيل الدين أو إرادة السماء.

        فطرة الحرية نادراً ما تنطمس تماماً، وهي التي تجعل الإنسان – بحسبها – يلتصق ويتمسك بالله وبخلفائه في الأرض، لأنه يجد المبدأ البراغماتي النفعي غائباً تماماً {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ}، ويجد الحب والرأفة والإحسان في أعلى تجلياتها في ساحة خليفة الله الحق. فالدين يحرص على مخاطبة القلوب والأرواح، باعتبارها مصدر الحرية ومنبع القرار والإرادة الإنسانية، ولا يريد من الإنسان الطاعة والاتباع القهري أو الأعمى البعيد عن الإرادة والحرية. وفق ما تقدم ليس مستغرباً أنْ نجد العمل في الدين مقروناً بالنوايا (إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)، (ونِيّةُ المَرءِ خَيرٌ مِنْ عَملِه). الدين يريد من الإنسان أنْ يعي تماماً مدى أهمية الإيمان لنفسه وذاته، وأنَّ مصلحته ليست بمعزل عن المصلحة العامة للدين، لكي يغيب عنه الإحساس بأنه حاجة أو سلعة استهلاكية ليس له نصيب من إيمانه وتدينه، فنجد المصارحة الواضحة {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}. لذا لا ينبغي اعتبار نفور الناس من المؤسسات الدينية ظاهرة غريبة أو شاذة، بعد أنْ كانت تلك المؤسسات مفارقة لأهم صفات الله؛ الرحمة والمحبة والعطف. لأنهم أولاً لا يرون فيها تجلياً للروح الإلهية، بل يرون العكس تماماً. ثانياً يرون فيها تهميش دور الإنسان واحتكار الابداع والعلم بطريقة مبتذلة جداً. ثالثاً الانغلاق في وجه المجتمع وتكوين طبقة كهنوتية منعزلة ومتعالية على المجتمع تنطلق من منطق السيادة تجاه العبيد أو الأتباع. ورابعاً الثراء الفاحش في وسط مجتمعات إنسانية تئن من الجوع والفقر والحرمان.

        مبدئياً أكاد أجزم بأنه لا يوجد هناك إنسان يكره الدين والإيمان بلا موقف مسبق أو اصطدام بفكر منحرف أو سطحي للدين أو ظاهرة كهنوتية استفزت ضميره وجرحت كرامته وأربكت طبيعة علاقته بالدين. فمهما كابر الإنسان لا يجد راحة حقيقية إلا مع الدين، فـ (الحياة دون إله لا معنى لها)، على حدّ تعبير الفيلسوف الألماني موسى مندلسون Moses Mendelssohn (1729 – 1786 م) [الله والإنسان، آرمسترونغ ص313]. وقد كان الفيزيائي والرياضي الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال Blaise Pascal (1623 – 1662 م) يرى بأنَّ العالّم يغدو قاحلاً وفارغاً إذا ما حُرِمَ من الإيمان والتعلق بالإله [المصدر السابق].

        وبغض النظر عن مبحث أسباب ودوافع الإلحاد المتعددة؛ نادراً ما تجد عالماً أو فيلسوفاً متديناً ثم ترك التدين من دون موقف أو صدمة من جهة أو شخصية دينية، أو نفور من تفسير ديني خاطئ. فقد كان وما زال منشأ النفور عن الدين يتمحور حول نقطتين رئيستين غالباً.

        الأولى: ضحالة وسطحية الفكر الديني الذي تقدمه المؤسسة الدينية عن الله والإنسان والكون والأخلاق والمجتمع، وركاكة تفسير وتأويل النصوص الدينية، وأدلجتها غالباً لمصلحة الديانة والمذهب والمنافع الشخصية، وهو ما يمكن تسميته بـ (الخلل المعرفي).

        الثانية: الفارق الكبير بين النظرية والتطبيق، أي بين الأسس الأخلاقية والسلوكية التي يدعو لها الدين والكتب المقدسة وبين السلوك الواقعي للكنيسة ورجال الدين، المخالف بشكل صارخ للعدل والإنصاف والزهد والورع والمحبة والرحمة، وهو ما يمكن تسميته بـ (الخلل السلوكي).

        ونحن هنا لا نريد تعميم الحكم على كل رجال الدين بلا استثناء، فهناك رجال دين صالحون ومهذبون للغاية، وربما أيضاً قد أخذوا نصيبهم من قمع واضطهاد المؤسسة الدينية المتسيّدة، إنّما كلامنا هنا عن الأكثرية والحالة السائدة في تلك القرون. وكذلك لا نريد التبرير أو إعطاء العذر للملاحدة أو الذين اتخذوا موقفاً ضد الدين ككل، وإنّما موضوعنا هو القصور والتقصير الذي صدر من المؤسسة الدينية (الكنيسة) ورجالها في ذلك الوقت، ودورها في الإساءة للدين وتقديمه بصورة مشوهة مُنفِّرة، كانت عاملاً أساسياً في ابتعاد المجتمع عن الدين والإيمان، والوقوع في أحضان الشك والإلحاد. وذلك تسبب في إبعاد عقول كبيرة عن ساحة الدين، ثم نَمَتْ وترعرعت في ساحة الإلحاد وكان له دور كبير في بلورة الفكر المادي المعادي للدين. وعندما نريد اختصار الحقيقة في جملة واحدة، يمكن القول بأنَّه قد خُلق الإلحاد والمادية بأيدي كهنوتية !

        دينيس ديدرو كان من أبرز ملاحدة القرن الثامن عشر، وقد كان مسيحياً. ولكنه بعد أن رأى الفرق الشاسع بين المسيحية كفكر ووصايا لاهوتية وبين تطبيقها على الواقع كسلوك متجسد بالكنسية ورجالها في عصره، ورأى ابتعاد الكنيسة عن روح التسامح وحب الإنسان، وشاهد بنفسه مدى القمع الفكري الذي يُمارَس باسم الدين؛ كل هذا وغيره كان سبباً في ترك دينيس ديدرو الدين المسيحي، والبحث عن دين إنساني يحترم الإنسان، ويعيش الجميع فيه بسلام بغض النظر عن الفكر والعقيدة.

        وقد أفصح عن رأيه بالمسيحية قائلاً: (من رأيي أن العقيدة المسيحية أسخف وأشنع ما تكون في تعاليمها، كما أنها مستعصية على الفهم، ميتافيزيقية مربكة الى أبعد الحدود. ومن ثم كانت أكثر تعرضاً للانقسامات والشيع والانشقاقات والهرطقات، وأكثرها ايذاءً وازعاجاً للهدوء العام ... وهي أشد العقائد فتوراً وكآبة وبعداً عن المدنية، وعبوساً في طقوسها، وأشدها صبيانية وانطوائية وبعداً عن الروح الاجتماعية في أخلاقياتها) [قصة الحضارة].

        إذن فديدرو قد تكوَّنتْ صورة الدين في ذهنه ابتداءً من خلال ملامح وسلوكيات المسيحية، فأخذ يهاجم الدين عموماً باسم المسيحية ليوهم الناس بأنه يهاجم الدين ويفنّده، وهذه مغالطة جدلية تعرف بـ (المغالطة البهلوانية) أو (رجل القش - Straw man)‏، حيث يقوم المُغالِط بالردّ على غير قضية الخصم، أو على صورة مشوّهة منها، أو يقوم باختزال وتبسيط وتسطيح قضية الخصم ثم يقوم بالرد عليها وتفنيدها، ليوحي للمتابعين بأنه ردّ على قضية خصمه، في حين أنّه كَمَن يصنع رجلاً من قش ثم يقوم بضربه ! وهذا هو حال كل من ينتقد الدين الإلهي من خلال نقد الديانات التي تفتقر قيادتها للعصمة والاختيار الإلهي، أو التي لا تمثل الصورة الحقيقية للدين السماوي.

        ولكن هل فعلاً كان ديدرو مقتنعاً بالإلحاد أم أنّه كما يقول المثل (كالمُستَجيرِ مِنَ الرَّمضاءِ بالنّارِ) ؟ هناك مؤيدات ومواقف في حياة ديدرو، تدل على أنّ مكان الإله في قلبه لم يملأه شيء آخر، فهو يفصح عن قلقه وعدم قناعته بالفلسفة الإلحادية في عدة مواقف. فقد كتب إلى الآنسة فوللاند: (أن الإلحاد أقرب ما يكون إلى الخرافة، وكلاهما صبياني طائش). ثم أضاف: (لقد جن جنوني لأني حائر متورط في فلسفة شيطانية لا أملك إلا أن يقرها ذهني وينبذها قلبي). (وإنه ليروي لصوفيا كيف أنه بينما كان يسير في الريف يوماً مع جريم التقط سنبلة من القمح واستغرق في التفكير في سر النمو، فسأله جريم: "ماذا تفعل" ؟ فأجاب: "استمع"، "ولكن من الذي يكلمك ؟"، فرد عليه: "الله" ) [المصدر السابق].

        وقد ذكر كيف أنه عندما رأي طقوس العبادة ومشاهدها الرهيبة حرَّكت روحه من الأعماق، فيقول ما إنْ شاهدتها (إلا اهتز قلبي من الأعماق، وذرفت عيناي الدموع) [المصدر السابق].

        لقد كان ديدرو مقاتلاً شرساً مدججاً بمختلف الأسلحة العلمية، فقد كان يقرأ ويكتب في الفلسفة واللاهوت والطب والهندسة والرياضيات وغيرها. وكان هو اللولب في اعداد وإصدار الموسوعة العلمية والفلسفية Encyclopedia في فرنسا، التي استغرق تأليفها عشرين سنة، وقد جمعت ما توصلت إليه البشرية من علوم في شتى الفنون، وكان ديدرو هو المشرف عليها والمشارك الأبرز فيها. لا شك أنَّ السبب الأول في إبعاد هكذا قدرات علمية عن الدين، هو أخلاق وسلوكيات الكنيسة، وتفسيرها المشوّه للدين الإلهي.

        أمّا الفيلسوف الفرنسي الملحد جان بول سارتر (1905 – 1980)، فحسب ما يقول هو في سيرة حياته (إن الجو الديني السائد وهو جو كاثوليكي نجح في تنفيره من الدين) وقد وصل الصراع الكاثوليكي – البروتستانتي الى عائلة سارتر وهو صغير ولذلك (يؤكد سارتر أن هذا الصراع دفع به الى إنكار الدين وهو لم يبلغ الحادية عشرة من عمره) [ملحدون محدثون، رمسيس].

        وكذا الحال مع الفيلسوف الملحد البريطاني برتراند رسل Bertrand Russell (1872 - 1970) ، إذ تحكي ابنته انه (اصطدم بالعديد من المسيحيين المتعصبين والكئيبين، الذين يعرضون الدين بأسلوب يُذهب بسماحة العلاقة بين الله والإنسان، وكذلك بين الإنسان والإنسان، كما يُذهب ببهجة الحياة، مما جعله ينفر من الدين بالكلية) [هنالك إله، فلو].
        وكان هذا الفيلسوف طوال حياته يبحث عن الحقيقة المطلقة التي تركت فراغاً في نفسه، حسب شهادة ابنته كاثرين بقولها: (أعتقد شخصياً أن حياته كلها كانت بحثاً عن الله، أو بالنسبة للذين يفضلون مصطلحات أقل خصوصية، كانت بحثاً عن الحقيقة المطلقة) [نفسية الإلحاد، بول فيتز].

        أما الملحد المعاصر ريتشارد دوكنز، فأيضاً لم يخلُ حاله من صدمة بسبب رجال الدين. يقول عنه بول فيتز Paul Vitz: (من المهم ذكر أنَّه عندما كان في التاسعة من عمره في مدرسته الداخلية الأنجليكانية المتشددة ذكر دوكينز تعرضه لحادثة اعتداء جنسي من قبل أحد الأساتذة اللاتينيين الشواذ المرتبطين بالكنيسة الأنجليكانية. أرست هذه الحادثة سلبية شديدة للدين عنده في عمر مبكر ... أي باختصار؛ وقبل أن يفهم فعلاً الدليل العلمي أو الحجة المنطقية ضد الدين كان لديه رد فعل عاطفي سلبي قوي تجاه الدين، وهذا ربما هيأه "لتحوله لاحقاً الى الإلحاد") [المصدر السابق].

        أعتقد أنَّ أساس البلاء ومصدر كل الفوضى التي حصلت في تاريخ البشرية بسبب العنصر الديني، تعود في أصلها الى سبب رئيس يُعتبر باب الخراب والانحراف الأول؛ وهو ظهور مرجعيات دينية منفصلة عن السماء، وفرض سلطة وطاعة رجال الدين على الناس، مع عدم اتصالهم المباشر بالله سبحانه. فهذا التحوّل الخطير للمرجعية الدينية ينطوي على أساس ومنبع الفساد والضياع؛ ألا وهو جعل مرجعية الدين مرهونة بأشخاص أو مؤسسات تفتقر الى العصمة الإلهية.

        وهذا هو سبب الفشل الحاصل في كل الديانات، حيث تحوّلت بوصلة الهداية تدريجياً من المبدأ السماوي الى المبدأ الأرضي المبرقع بالدين !

        إنَّ فكرة مرجعية شخصية أو مؤسسة دينية للناس وتمثيلها لله، مع كونها منفصلة عن الله، ليس له أساس حقيقي في دين الله أبداً. فالإنسان بما هو إنسان مُعرَض للخطأ والاشتباه والميل نحو المنافع الشخصية وما شابه، وبالتالي فالإنسان ابتداءً هو ابن ذاته وعائلته وبيئته الدينية والقومية وما الى ذلك، وهذا ما ينعكس ولو نسبياً على رؤاه وأفكاره وميوله وقراراته ومواقفه، ولذلك نجد أنْ الظاهرة السائدة بين البشر هي الاختلاف والتقاطع في الأفكار والميول والسلوك، وبالتالي لا يمكن الرضوخ والتسليم بتعاليم معينة ما لم تكن صادرة عن جهة عُليا تتصف بالعلم التام والحياد التام والحكمة التامة، التي لا تشوبها آفة الأنانية، وهذه الجهة بالأصل منحصرة بالسماء وبالله سبحانه. ولعلّ هذا ما يُفسِّر قول عيسى (يسوع) لرجل ناداه بـ (أيها المعلم الصالح): (لماذا تدعوني صالحاً ؟ لا صالح إلا الله وحده) [مرقس 10/18].

        حتى القوانين الوضعية المدنية لم نجد التسالم على قبولها إلا بالمقدار الذي يعود بالنفع العام على الفرد والمجتمع، وهذا المقدار لا يتقاطع مع الوحي السماوي بل أكّده وأقرّه وحثَّ عليه. من هنا أؤكّد مرة أخرى أنَّه ليس في دين الله سبحانه طاعة لأحد على الناس مطلقاً، إنْ لم يكن منصباً ومخولاً بشكل مباشر من قبل الله تعالى. وأكبر خطأ وقعت فيه المؤسسات الدينية (الكنيسة) مثلاً، هو زعمها تمثيل السماء مع عدم ارتباطها المباشر بالسماء ! مع أنَّ نبي الله عيسى (يسوع) مثلاً لم يغفل هذه المسألة وأكدّ عليها مراراً، وأوضح للناس ولأتباعه بأنّه لا يتكلم أو يعمل بمشيئته أو من عند نفسه، بل من الله الذي أرسله.

        يروي إنجيل يوحنا عن عيسى (يسوع) أنه قال:

        (الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل شيئاً من عنده، بل ما رأى الآبَ يَعمَلُهُ) [يوحنا 5/19].

        (أنا لا أقدِرُ أنْ أعملَ شيئاً مِنْ عندي. فكما أسمَعُ من الآبِ أحكُمُ، وحُكمي عادِلٌ. لأنِّي لا أطلُبُ مشيئتي، بل مشيئةَ الذي أرسَلَني ... لي أعمالي التي أعطان الآبُ أنْ أعملها) [يوحنا:30-36].

        (ما تعليمي مِنْ عندي، بل مِنْ عِندِ الذي أرسلني) [يوحنا:7/16].

        (ومَنْ لا يُحبُّني لا يسمعُ كلامي. وما كلامي مِنْ عِندي، بل من عِندِ الآبِ الذي أرسلني) [يوحنا: 14/24].

        وهذا المعنى نجده جلياً في القرآن الكريم أيضاً، فقد أكدّ الله سبحانه هذه المسألة بأقوى عبارة في حق حبيبه محمد (ص): {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}. في الوقت الذي تؤكّد هذه الآيات صدق وأمانة النبي محمد (ص)؛ كذلك تؤكد موضوعنا الذي نتكلم عنه، وهو أنَّ مرجعية النبي محمد الدينية متصلة بالسماء وتُعبِّر عن الإرادة الإلهية، ولا دخل لإرادة محمد أو مشيئته بذلك، ويؤكد ذلك أيضاً قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}. وهذا الأمر لا يختص بالنبي محمد بل يشمل كل الأنبياء والرسل بلا استثناء، يؤكدّ ذلك آيات كثيرة منها: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}.

        نجد أيضاً الإمام علي (ع) يؤكدّ هذا المعنى في وصيته لكميل بن زياديا كميل هي نبوة ورسالة وإمامة وليس بعد ذلك إلا موالين متبعين، أو منادين مبتدعين، إنما يتقبل الله من المتقين، يا كميل لا تأخذ إلا عنا تكن منا).

        ثم يأتي حفيده الإمام الصادق (ع) ليؤكد هذا المعنى كذلك، إذ يقول: (إنا لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ولكنّها آثار من رسول الله "صلى الله عليه وآله" أصول علم نتوارثها كابر عن كابر نكنزها كما يكنز الناس ذهبهم وفضتهم).

        فحتى الأنبياء والرسل ليس لهم استقلال في توجيه وتعليم البشر، بل ينطلقون من قوله تعالى: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}. هذا مع اتصالهم المباشر بالله سبحانه. فكيف يمكن لغيرهم الاستقلال بالتشريع والمرجعية بلا تخويل سماوي ؟! نعم، يبقى حق (الاتباع) كما في قول الإمام علي (وليس بعد ذلك إلا موالين متبعين). وقد خضعت مسألة الاتباع هذه للاجتهاد والرأي، فكلٌّ يدَّعي أنَّه متبعٌ وغيره مبتدعٌ، ولعلّه لا يوجد من ينطبق عليه حقيقة (الاتباع) سوى ثلة قليلة قد تكون في نظر الأكثرية أنها تمثل البدعة والكفر والهرطقة، وكما يقول الشاعر:

        وكلٌ يَدَّعي وَصلاً بِليلى *** وليلى لا تُقِّرُ لهُم بِذاكَ

        فغاية ما يجوز من دعوى للكنيسة ولأيّ مؤسسة دينية، هو أنّها تمثل فكراً ورأياً دينياً تزعم أنّه يتطابق مع تعاليم وشريعة الأنبياء، ويبقى هذا الادعاء خاضعاً للنقد والتقييم، وللناس الحرية التامة في القناعة به أو رفضه، فإذا كان الدين السماوي الحق لم يُعرَض على الناس إلا بفحوى {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}؛ تكون الحرية مضمونة أمام الآراء والأفكار البشرية من باب أولى.

        ولكن المؤسسات الدينية ادَّعتْ لنفسها ما لم يدَّعيه حتى الأنبياء والرسل، ومارستْ صلاحيات أساسية وكبيرة لم تتحقق لنبي أو وصي على طول مسيرة التاريخ، حتى وصل الحال الى تأليه وعبودية الكنيسة ورجال الدين، وقُمعتْ الحريات والأفكار، ولم تسمح الكنيسة للنقد والتقييم أنْ يقترب من أسوارها، ليس لقوتها ورصانتها الفكرية، بل لشدة ضعفها وخوائها الفكري، الذي لا يصمد أبداً أمام النقد الموضوعي والمحاججة العلمية. وتناستْ تماماً تعاليم موسى وعيسى (يسوع) والأخلاق الإلهية، وكذلك تناستْ ما مرّت به المسيحية من قمع واستضعاف في بداية نشأتها !

        لقد اشتهرت المسيحية بعد عيسى (يسوع) المسيح وعاشت حياة الاستضعاف لمئات السنين، وقد اعتبرت السلطات الدينية والحكومية الإيمان المسيحي هرطقة يُعاقب عليها بالموت والحرق. ولكن تغلغل الانحراف الى المسيحية قبل الاعتراف بها كديانة رسمية في القرن الرابع الميلادي، وأصحبت تدريجياً تُتخذ كدين دولة واتحدت مع الامبراطوريات والملوك، حتى صارت هي والحكومات والممالك وجهان لعملة واحدة. فبعد أنْ ذاق أتباعها أقسى أنواع الظلم والجور في بداياتها؛ رجعت لتمارس الظلم والجور بصورة مقرفة يندى لها جبين الإنسانية. وتشابكت المصالح المتبادلة بينها وبين السلطات السياسية من القرن الرابع الى القرن التاسع عشر، حيث تم إلغاء (محاكم التفتيش) وتراجع كثيراً تأثير الكنيسة في ميدان السياسة والحياة المدنية.

        لعلّ ما يصف لنا ملامح رجال الدين في ذلك الزمان ما ينقله لنا المؤرخ الكبير ديورانت عن القديسة كترين السينائية، عند وصفها لتلك المرحلة المأساوية بامتياز، إذ تقول:

        (إنك أينما وليت وجهك – سواء نحو القساوسة أو الأساقفة أو غيرهم من رجال الدين، أو الطوائف الدينية المختلفة أو الأحبار من الطبقات الدنيا أو العليا، سواء كانوا صغاراً في السن أو كباراً – لم تر إلا شراً ورذيلة، تزكم أنفك رائحة الخطايا الآدمية البشعة. إنهم كلهم ضيقو العقل، شرهون، بخلاء ... تخلوا عن رعاية الأرواح ... اتخذوا بطونهم إلهاً لهم، يأكلون ويشربون في الولائم الصاخبة، حيث يتمرغون في الأقذار ويقضون حياتهم في الفسق والفجور ... ويطعمون أبناءهم من مال الفقراء ... ويفرون من الخدمات الدينية فرارهم من السجون) [قصة الحضارة].

        ولم يتخلّص الناس من هذا الكابوس المرعب، إلا بعد أن قاموا بثورة عارمة، ورفعوا الشعار المشهور:

        (اشنقوا آخِرَ ملِك بأمعاء آخر قسيس)

        يتبع إن شاء الله
        قال يماني ال محمد الامام احمد الحسن (ع) ليرى أحدكم الله في كل شيء ، ومع كل شيء ، وبعد كل شيء ، وقبل كل شيء . حتى يعرف الله ، وينكشف عنه الغطاء ، فيرى الأشياء كلها بالله ، فلا تعد عندكم الآثار هي الدالة على المؤثر سبحانه ، بل هو الدال على الآثار

        Comment

        Working...
        X
        😀
        🥰
        🤢
        😎
        😡
        👍
        👎